نص محاضرة البابا بنديكت التي أثارت غضب المسلمين

أيلول 21st, 2006 كتبها د. أكرم حجازي نشر في , وثائق

 
نص محاضرة البابا بنديكت التي أثارت غضب المسلمين
http://www.islamonline.net/Arabic/Doc/address/2006/09/01.shtml

بابا الفاتيكان عقب إلقائه محاضرة بجامعة بون يوم 12 سبتمبر 2006
     
 فيما يلي نص المحاضرة التي ألقاها البابا بنديكت السادس عشر بقاعة المحاضرات بجامعة بون في 12 سبتمبر 2006 تحت عنوان "العقل والإيمان في التقاليد المسيحية والحاضر المسيحي"، والتي أثارت آراؤه بها عن الإسلام ردود فعل غاضبة في العالم الإسلامي، حيث أشار فيها -على لسان إمبراطور بيزنطي- إلى أن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم جاء بأشياء كلها شريرة، وأن انتشار الدين بالسيف مناقض لطبيعة الله، وهو ما وجد ردودا احتجاجية عنيفة من المسلمين في أنحاء العالم.
وفيما يلي نص هذه المحاضرة*:
      "إن اللقاء بين الإيمان الإنجيلي والفلسفة الإغريقية كان على قدر كبير من الأهمية ليس من جهة موقف تاريخ الأديان، بل ومن جهة التاريخ العالمي".
       … تذكرت ذلك العهد (بالتدريس والنقاش) بين الزملاء قبل فترة، عندما كنت أقرأ نشرة البروفسور (عادل) تيودور خوري (من جامعة مونستر) لقسم من حوار (ربما جرى عام 1391 في الثكنات العسكرية الشتوية على مقربة من أنقرة) بين الإمبراطور (البيزنطي) العالم مانويل الثاني باليولوغوس، ومثقف فارسي (مسلم) في موضوع المسيحية والإسلام، والحقيقة المتضمنة في كل منهما. وربما كان الإمبراطور نفسه هو الذي سجل ذلك الحوار خلال حصار القسطنطينية بين العامين 1394 و1402، وهذا ربما يعلل سبب ذكر حججه بالتفصيل، دونما اهتمام لافت بإجابات العالم الفارسي. والحوار يتوسع إلى ما وراء حدود البنى العقدية في الإنجيل والقرآن، ليركز بخاصة على صورة الله والإنسان، راجعا عندما يكون ذلك ضروريا، إلى العلائق بين "الشرائع الثلاث": العهد القديم والعهد الجديد والقرآن.
في هذه المحاضرة أريد أن أناقش نقطة واحدة ـ ربما كانت هامشية في الحوار المذكور نفسه ـ هي سياقات علاقة "الإيمان والعقل" وقد وجدت أنه من الممكن أن يكون ذلك السياق الحواري مفيدا في تأملاتي حول المسألة.
    في المحادثة السابعة (من الجدال…) والتي نشرها البروفسور خوري، يعالج الإمبراطور موضوع الجهاد (الحرب المقدسة). ومن المؤكد أن الإمبراطور كان يعرف الآية القرآنية (2:256) والتي تقرر أنه "لا إكراه في الدين". وسورة البقرة هذه إحدى السور القرآنية المبكرة، عندما كان (النبي) محمد ما يزال بدون قوة ونفوذ، وواقعا تحت التهديد، لكن من الطبيعي أن يكون الإمبراطور عارفا بالتعاليم الإسلامية التي تطورت فيما بعد وسجلها القرآن، بشأن الحرب… وبدون مقدمات تفصيلية حول الفروق في التعامل مع "أهل الكتاب" والآخرين "المشركين"، يلتفت الإمبراطور إلى محاوره بشكل مفاجئ وقاس طارحا السؤال الأساسي في العلاقة بين الدين والعنف بشكل عام؛ يقول الإمبراطور: "أرني ما هو الجديد الذي أتى به محمد، وسوف تجد أشياء كلها شريرة وغير إنسانية، من مثل أمره بنشر الدين بالسيف".
      ثم يمضي الإمبراطور شارحا بالتفصيل الأسباب التي تجعل من نشر الإيمان بالعنف تصرفا غير عقلاني، لا يتفق العنف مع الطبيعة الإلهية، ولا مع طبيعة الروح: "لا يحب الله سفك الدم، والتصرف غير العقلاني مُناقض لطبيعة الله". فالإيمان يبزغ من الروح وليس من الجسد، بيد أن الذين يريدون نشر الإيمان، "يحتاجون إلى قدرة على الحديث الجيد، والتأمل بعقل، وبدون عنف وتهديدات… ومن أجل إقناع روح عاقلة، لا يحتاج المرء إلى ذراع قوية، ولا إلى سلاح من أي نوع، كما لا يحتاج إلى تهديد أي شخص بالموت…".
      إن الحجة البارزة في هذا الجدال ضد الإرغام على الإيمان أن الداعية الذي يتصرف بخلاف العقل، إنما يتصرف بخلاف طبيعة الله. ويلاحظ البروفسور خوري معلقا: بالنسبة للإمبراطور البيزنطي ذي الثقافة الفلسفية الإغريقية؛ فإن هذا الأمر بديهي. أما في تعاليم الإسلام فإن الله سبحانه متعال علوا مطلقا، كما أن إرادته ليست مقيدة أو متعلقة بأي مبدأ آخر بما في ذلك مقاييس العقل نفسه. وهنا عاد خوري للاقتباس من دارس فرنسي معروف للإسلاميات هو روجيه أرنالديز ذكر عن ابن حزم (الأندلسي) أن الأخير ذهب بعيدا في (تنزيه) الله إلى حدود القول إن الله سبحانه ليس مقيدا حتى بكلمته (أي بوعده ووعيده)، وليس هناك ما يوجب عليه حتى إنزال الوحي وإرسال النبيين، وهو عز وجل إن شاء، وبمقتضى هذا الفهم، فقد تكون عبادة الأوثان داخلة ضمن المشيئة الإلهية.
      إن التحدي الذي واجه اللاهوتيين القدامى، وهو ما يزال يواجهنا حتى اليوم: هل الاعتقاد بأن العمل غير العقلاني يناقض طبيعة الله هو مجرد فكرة إغريقية أو أنها حقا وواقعا صحيحة دائما، وأنا أرى أنه في هذه المسألة بالذات يمكن الوصول إلى وجود تناغم بين القناعة الإغريقية والفهم الإنجيلي للإيمان بالله. وإذا عدنا إلى الجملة الأولى في سفر التكوين بحسب يوحنا نجد (في البدء كانت الكلمة "اللوغوس"، وكان الكلمة الله): فالله يعمل باللوغوس واللوغوس يعني العقل والكلمة.. وهو العقل القادر على التواصل، التواصل بذاته باعتباره عقلا. وهكذا فان يوحنا قال القول النهائي في الفهم الإنجيلي لله، وفي هذه المقولة تتلاقى كل خيوط وخطوط الإيمان الإنجيلي.
      يقول يوحنا الرسول أنه في البدء كان اللوغوس، واللوغوس هو الله، وهذا اللقاء بين الرسالة الإنجيلية والفكر الإغريقي ما حدث بالمصادفة. ففي رؤيا بولس الرسول بعد أن وجد طرق آسيا مسدودة، أن إنسانا مقدونيا أتاه في المنام وقال له: "تعال إلى مقدونيا وساعدنا"! وقد عنت تلك الرؤيا أن هناك ضرورة للتقارب بين الإيمان الإنجيلي والتساؤل الإغريقي. وفي الواقع فإن ذلك التقارب كان جاريا منذ بعض الوقت، فاسم الله، الذي تجلى من شجرة العليق المشتعلة، يفترق عن سائر التأليهات الأخرى مهما اختلفت أساميها. إنه هو، هكذا ببساطة.
     وهذا تحد لمصطلح الميث (الأسطورة) الذي حاول سقراط اختراقه، والتسامي فوقه في قياس مقارب. وفي العهد القديم اكتملت العملية التي بدأت في العليقة المشتعلة، خلال السبي، الذي عنى تجردا عن الأرض والمعبودات، حيث هو الله رب السموات والأرض: أنا الله، وهذا الفهم الجديد الخالص لله ترافق مع قدر من التنوير، الذي وجد تعبيره الخاص والقوي بالتبرؤ من الآلهة الأخرى، التي هي من صناعة البشر… وقد حدث بذلك التلاقي النهائي بين إله الإنجيل، والفكر الإغريقي الراقي؛ فكان ذلك الإثراء المتبادل في أدب الحكمة المتأخر…
    (ويفضل البابا هنا في حيثيات اللقاء بل والتطابق في الترجمة الإسكندرانية للعهد القديم إلى الإغريقية).. وصولا للإمبراطور مانويل الثاني وجدلياته، والذي صار قادرا على القول: إن لم تعمل بحسب "اللوغوس" فإن ذلك مخالف لطبيعة الله (عز وجل).
     إن الذي أريد تقريره بكل أمانة هنا أننا نجد اتجاهات في لاهوت العصور الوسطى تتنكر لهذا الامتزاج أو التلاقي بين الروح الإغريقي والروح المسيحي. فبخلاف العقلانية التي عرفها أوغسطين وتوماس، ظهر أناس مثل دونز سكوتوس ينصرون إرادوية تقول إننا لا نستطيع معرفة الله إلا بالإدراك المباشر أو الغريزة. ذلك أن حرية الله تقع فيما ورا

المزيد


بعض الموجز في تاريخ النظرية الاجتماعية

شباط 13th, 2006 كتبها د. أكرم حجازي نشر في , دراسات في علم الاجتماع, دراسات وأبحاث, صور, فيديو, كتب, مقالات, وثائق

إننا نتساءل فعلا عن الأسس والمعايير التي قام عليها علم الاجتماع وعن تاريخية هذا العلم ومبررات نشوئه وما إذا استطاع مواكبة التغير وإلى أين انتهى. لذا فالمقالة تستهدف تقديم حصيلة موجزة عن تاريخية السوسيولوجيا العلم الذي اكتشفه العلامة العربي ابن خلدون في أواخر القرن الرابع عشر وأفصح عنه في مقدمته الشهيرة لكتاب العبر معرفا إياه بـ " العمران البشري "، والذي ظل طي النسيان لنحو خمسة قرون متواصلة إلى ما بعد الثورة الفرنسية 1789 حين أعلن عن تأسيسه والحاجة إليه أحد رواد عصر التقدم في أوروبا وتحديدا في فرنسا ليعود ابن خلدون بطلا في غير موطنه وزمانه.
مولد السوسيولوجيا
بداية فتيار المدرسة النظرية في علم الاجتماع لا يتوقف عند التاريخ القديم كثيرا ولا حتى عند التاريخ الأوروبي الحديث حينما يتعلق الأمر في علم الاجتماع إلا فيما يتصل منه بالتأريخ لتطور الفكر الاجتماعي والعلمي. وغالبا ما يؤرخ للنظرية ابتداء من المدرسة الوضعية التي دشن انطلاقتها العالمان الفرنسيان سان سيمون وأوجست كونت. وتعتقد هذه المدرسة أن فلسفة المجتمع ونموه وتطوره والظواهر المصاحبة أو المنبثقة عنه لا يمكن التعرف عليها إلا في ضوء التقنيات والوسائل المنهجية الصارمة التي وفرتها السوسيولوجيا تأسيسا على معطيات المنظومة المعرفية للفكر الوضعي ذاته.
ففي ضوء اكتشافه لقانون الحالات الثلاث الذي مرت به البشرية أمكن لأوجست كونت أن يكتشف الحاجة الماسة ويؤسس لعلم يدرس الحياة الاجتماعية والإنسانية على أسس ومعايير عقلانية ليس للغيبيات أي حظ فيها. فالمعروف أنه قبل انطلاقة الثورة الفرنسية سنة 1789 لم يكن العلم والتعلم متاحا إلا لنفر يسير جدا من الناس هم في الغالب من طبقة الأسياد التي تحالفت تاريخيا مع الكنيسة والحكم في ظل مجتمع إقطاعي يتمتع بأطر معرفية غيبية ولا يحتل الإنسان فيه أية مكانة، وبعد انتصار الثورة وتحرر الإنسان والعقل الإنساني من الماورائيات أخذ أوجست كونت على عاتقه بناء شجرة العلوم أو بمعنى آخر حصر ما يتوفر من العلوم التي كانت شائعة سرا أو علانية حتى ذلك الحين فماذا وجد؟
وجد أن العلوم الكائنة فعليا لا تتعدى عدد أصابع اليد الواحدة وهي الفيزياء والرياضيات والكيمياء والأحياء والفلك وكلها علوم صحيحة تقتصر الحاجة إليها على تفسير الظواهر الطبيعية، ومن الجلي أن أيا منها ليس بمقدوره تفسير الظواهر الإنسانية والاجتماعية، وأن أيا منها لم يعد له الحق في التطفل على ظواهر لم تعد تخصه.
هذا هو السبب الجوهري والحاسم في ظهور علم الاجتماع. وحقيقة فالذي فعله أوجست كونت هو بلورة ما شعر به أستاذه سان سيمون من حاجة ماسة لعلم يدرس الإنسان والمجتمع فوضع عبارة " الفيزياء الاجتماعية " لتلبي الغرض بيد أنه لم يكمل ما بدأه فما كان من أوجست كونت إلا تحوير العبارة إلى لفظة " السوسيولوجيا " والتي باتت تعني علم الاجتماع الذي نعرفه اليوم. ولكن منذ ذلك الحين ، كيف جرى تعريف المجتمع والتعامل مع متغيراته؟
من الملفت للانتباه أن يعنى كونت بتعريف الظاهرة الطبيعية فيما يتجاهل الظاهرة الاجتماعية بالرغم من أن لفظة السوسيولوجيا كعلم بوأها كونت قمة الشجرة المعرفية، ولكن المسألة ليست عبثية فالمجتمع هو كل الأفراد الأحياء منهم والأموات والتاريخ وإجمالي الذاكرة الاجتماعية، إنه فوق كل الإرادات لأنه كائن في الطبيعة وبالتالي فهو جزء منها وكل ما في الأمر هو الكشف عن القوانين الاجتماعية المماثلة لقوانين الظاهرة الطبيعية التي تفسر المجتمع أو الظاهرة الاجتماعية. إنها المقدمة الأبلغ أهمية في الفكر الوضعي وهو يحاول ، متأثرا، محاكاة القوانين في العلوم الطبيعية.
ولعل الزعم بوجود قوانين كامنة في الطبيعة تفسر الظواهر الاجتماعية لم ينته بتحول كونت إلى فيلسوف في أواخر حياته مما عرض السوسيولوجيا لخصومة تاريخية ولضربات عنيفة وجهتها المدرسة النفسية الفرنسية بزعامة جابرييل تارد والتي نفت حتى الرمق الأخير وجود مفاهيم كالمجتمع أو الظاهرة الاجتماعية وأكدت بإصرار غير مسبوق على علمية الظاهرة النفسية والتي باستطاعة علم النفس فقط تفسيرها.غير أن الرد كان حاسما من قبل إيميل دوركايم وأنصاره في إكمال مسيرة أوجست كونت، فقد تجذرت الوضعية على نحو غير مسبوق بل أنها وصفت بالوضعية الصحيحة بالنظر إلى دقة البحوث العلمية التي أنجزها على الخصوص دوركايم وتضمنت بحثه الشهير عن " قواعد المنهج في علم الاجتماع " والذي ضبط فيه مصطلحات العلم الجديد وقواعده. أما بحثه عن " الانتحار" فكان إسهاما مميزا في تاريخ العلم الحديث باعتباره الأول الذي يعتمد بصرامة فائقة تقنيات الإحصاء والمنهج التجريبي في البحث العلمي، فضلا عن أنه مثل ضربة موجعة للمدرسة النفسية كونه انطلق من ظاهرة الانتحار التي هي في الأساس ومنطق المدرسة النفسية ظاهرة فردية لينتهي بقوانين اجتماعية تفسرها وليس بقوانين نفسية فما كان من جابرييل تارد إلا أن خسر الحرب وقرر الفرار إلى الولايات المتحدة التي كانت تعاني في القرن19 من مشكلات نفسية عويصة بسبب الهجرة وصعوبات التكيف النفسي والاندماج في العالم الجديد فاستقبل هناك استقبال الأبطال نظرا للحاجة الماسة لأمثاله.
ومن جهتها ودونما تواصل لم تكن السوسيولوجيا الألمانية التي تزعمها على الخصوص فرديناند تونيز وجورج زيميل صاحب النظرية الشكلية وتلميذه الفذ ماكس فيبر صاحب النظرية التفهمية( الفهم والتفسير) ومبدع تقنية النموذج المثالي الفريدة من نوعها في الدراسات الاجتماعية لتقل أهمية عن نظيرتها الفرنسية وهي تشق بثبات طريقا وعرا في عالم السوسيولوجيا. هذه السوسيولوجيا انطلقت من الفعل الاجتماعي وليس من المجتمع كما فعلت المدرسة الفرنسية فركزت على الفاعلين بوصفهم صناع الظاهرة الاجتماعية. وقدم فيبر دراسات جليلة لظواهر إنسانية واجتماعية توقع هو بالذات دون أن تخيب ظنونه أن تغزو العالم في السنوات القادمة كظاهرة البيروقراطية على الخصوص وظواهر الرأسمالية والقيادة والدين لاسيما ما يتعلق بسوسيولوجيا العمل وقدسيته عند الطائفة البروتستانتية.
أما لدى كارل ماركس فالسوسيولوجيا عنده بدت وكأنها تعكس حقيقة حياته البائسة، فقد عاش فقيرا ومات كذلك فانطلقت أفكاره من المجتمع الرأسمالي لتقدم الإنسانية وهي في حالة صراع أزلي بين طبقات مهيمنة وأخرى مهيمن عليها حتى أنه وصف الصراع الطبقي بالقوة المحركة للتاريخ، وأن المجتمع الرأسمالي الذي يشكو من تناقضات داخلية بسبب غياب التوزيع العادل للثروة والموارد سينفجر مخلفا وراءه المجتمع الاشتراكي الذي يتساوى فيه الجميع. ومما يسجله التاريخ الإنساني بطرافة فائقة أنه ما من نظرية أثرت على البشرية في تاريخها كما فعلت النظرية الماركسية التي اعتنقها نحو ثلثي سكان المعمورة. وفي واقع الأمر فالماركسية كانت يأسا وردا على الظلم الذي تعرضت له البشرية من الأنظمة الإقطاعية والرأسمالية على السواء، فما كاد الفرد يتخلص من عبودية الإقطاع حتى تلقفته عبودية الرأسمال، لذا ليس غريبا أن يصف المفكر التونسي عبد الوهاب بوحديبة ماركس بأنه ليس سوى مناضل نقابي أدرك معاناته ومعاناة العمال والفلاحين على السواء.
مشروعية النقد وانطلاقة جديدة
لعل أغلب النظريات التقليدية في العلوم الاجتماعية والإنسانية انتمت بشكل أو بآخر إلى تيار المدرسة الوضعية التي ما انفكت تحاكي العلوم الطبيعية وتجهد في البحث عن قوانين في الطبيعة تفسر الظواهر الاجتماعية تعرضت بالنهاية، دون أن يمس ذلك من قيمتها، إلى نقد شديد قاده الفيلسوف كارل بوبر ضد أولئك الذين يجهدون في العمل على تقنين علم الاجتماع وحشره ضمن منظومات معرفية تستجيب للأطروحة الدوركيمية دون أن يأخذوا بالاعتبار خلفيات التشدد الدوركايمي في إصراره على أن " الاجتماعي لا يفسر إلا بالاجتماعي"، هذه العبارة التي أطلقها دوركايم والتزم بها خشية على علم الاجتماع من الأخطار التي تتهدد وجوده. وحث بوبر بجلاء على الحاجة إلى التنوع مؤكدا في الوقت ذاته استحالة وجود نظرية واحدة شاملة بمقدورها التصدي منفردة للمجتمعات والظواهر الاجتماعية أو الانتظار ريثما يقع اكتشاف هذا القانون أو ذاك، فالمجتمعات تتغير وتتبدل وكذالك الظواهر، فإذا كان المجتمع ظاهرة نمطية فهو حتما ظاه

المزيد