ملاحظات مبدئية في كتابة المقالة الصحفية
د. أكرم حجازي
خاص بموقع الصحفي العربي
http://www.alsahfe.com/index.php?id=2|1370&task=show
13/7/2008
ما من شكل صحفي أرقى من كتابة المقالة. وما من متعة تضاهي قراءة مقالة شيقة تجمع بين الرشاقة والسلاسة والمعلومة وقوة الحجة. وصلى الله وسلم على من قال: إن من البيان لسحراً . بعض الكتاب يكتب مقالة فترى القارئ وهو يقرؤها قد أطبق صمتا، متلذذا بها كما لو أنها وجبة جائع، وبعضهم يكتب كتيبا أو مقالة فيثير وراءه عاصفة من الأسئلة لا تتوقف طيلة عقود من السنين، وبعضهم يكتب مجلدات فلا يترك أثرا في عقل القارئ.
كثيرا ما تعرضت لسؤال القراء والطلبة عن سر القدرة على كتابة نص مميز يتمتع بجاذبية تسر القارئ وتشعره بمتعة القراءة. وكثيرا ما شكا بعض القراء من عجز في القدرة على الكتابة رغم أنهم يمارسون القراءة بشغف، ويحضّرون لها جيدا لكنهم لا ينجحون في جذب الاهتمام ولا في إيصال رسالتهم. فما الذي يجعل النص متميزا: كاتبه؟ أم موضوعه؟ أم شروطه؟
في النص أدناه أربعة محاور أساسية تصلح للبناء عليها فيمن يفكر في الكتابة أو يسعى إلى تنمية قدراته، والحقيقة أنها حصيلة تجربة أكثر منها تأصيلا علميا، وهي على كل حال تبقى مقالة أقصى ما ترمي إليه إثارة بعض عناصر القوة والضعف في كتابة المقالة على وجه الخصوص. مع الأمل أن يعكس النص محتواه وأن يتسامح القراء مع الكاتب فيما ارتكبه من أخطاء في النص أو تقصير في المزيد من البيان.
فكرة النص (1)
بداية لا يهمنا القول بأنه ثمة موضوع سيئ وآخر جيد، أو أن هذا موضوع سفيه وذاك رزين. فالأصل أن الموضوع مجرد فكرة، إذا ما نوقشت بحيادية واحترام فستنتج معرفة علمية بشرط ألا تكون فكرة الموضوع ذات طابع عدائي فيما يتعلق بالمعتقد الديني. ففي الدين، مثلا، اجتهاد واسع وهو من اختصاص أهل العلم، أما فيما يتعلق بالغيبيات، وكمسلمين، فما علينا إلا التسليم والإيمان بها لأنها ليست موضع نقاش أو جدل. وفي مستوى الأفكار فمن الضروري التساؤل: متى يكون موضوعا ما جذابا وآخر منفرا؟
إذن أهم ما في الموضوع هو الفكرة، وهي أثمن ما يمكن أن ينتجه العقل البشري. ولأنها كذلك فمن السهل ترقيتها من مجرد فكرة محدودة تراءت لنا أو خطرت على بالنا، في لحظة ما، إلى موضوع بحيث تغدو جديرة بالبحث والنقاش والتنقيب عنها وعن مضامينها ومحتوياتها وجدواها وتبيُّن مدى صلاحيتها في خدمة هدف معين. لكن كيف سنتعامل مع الفكرة بحيث تتحول إلى موضوع؟
بالتأكيد نحن نتحدث عن مواضيع صحفية وليس عن أبحاث علمية لها شروط صارمة. ومع ذلك فالكتابة في موضوع صحفي قد لا يتجاوز 500 كلمة تستدعي توفر قدر من الرصيد المعرفي قبل الشروع في الكتابة، وهنا علينا أن نهتم بمرحلتين ونفهم متطلباتهما.
أولا: مرحلة تفكيك الفكرة
· يلزم الاتفاق أولا على أن كل فكرة لها جذر لغوي أو اصطلاحي أو معرفي أو علمي أو عقدي. ومهمة الكاتب هي (1) البحث عن الجذور ذات العلاقة و (2) البحث عن العناصر التي تربط بين الفكرة وجذورها و (3) فرز العناصر القوية عن العناصر الضعيفة و (4) اعتماد العناصر القوية واستبعاد الضعيفة. لكن ينبغي ملاحظة أنه ليس كل رابط مهم بالضرورة حتى لو كان قويا، فثمة عناصر قوية قد لا يحتاجها النص فعلا بحيث يكتفي ببعض العناصر ويتخلى عن أخرى. مع ملاحظة أن العناصر الترابطية الضعيفة هي كذلك في سياق معين، وهذا يؤشر على أنها قد تكون قوية في سياق آخر.
· بطبيعة الحال فإن لكل جذر من الجذور خصوصياته المميزة. فقد تعترضنا بعض الأفكار ذات الجذور المتنوعة والتي لا تتضح فيها الفكرة إلا باستعراض أبرز العناصر الكفيلة لإزالة الغموض عنها. وقد نحتاج فقط إلى جذر أو جذرين. لكن من المهم الإشارة إلى أن الجذر اللغوي نستخدمه في العادة حين يكون هناك لبس كبير حول الفكرة بحيث تختلط المعاني وتضيع الحقيقة فنلجأ حينذاك إلى الجذر اللغوي لإعادة الأمور إلى نصابها. ومن باب الإشارة فالجذر اللغوي هو المتعلق بالمفاهيم، فلما نقول هذا مفهوم يعني أن له جذرا لغويا سهل التتبع، ولما نقول هذا اصطلاح فالمقصود تسمية لا أصل لها في اللغة الأمر الذي يستدعي بحثا في أصول النشأة ومصادرها.
ثانيا: مرحلة تجميع الفكرة
الآن وقد اتضحت لنا الفكرة ووقفنا على جذورها سنبدأ بعملية تجميع للفكرة عبر:
· الاستعانة بالرصيد المعرفي. وهنا لا بد من التنبيه أن جودة المقالة وتميزها ترتبط ارتباطا جذريا ليس بما نسميه ثقافة الكاتب ومدى سعتها بل بقدرة الكاتب على توظيف ما لديه من معلومات في سياقها الصحيح. ولا شك أن الكثير منا لاحظ أن بعض الكتاب يتمتعون بثقافة واسعة ولديهم شغف في القراءة ويجيدون التحدث شفاهة لكنهم عاجزون عن تنزيلها في قالب مقالة فتبدو كتاباتهم ركيكة وشبه خاوية. وثمة العكس، كأنْ نجد كتابا يجيدون الكتابة ولكنهم يعانون من القدرة على التعبير وطعوجة اللغة والتحكم بجمالياتها.
· تحديد الأفكار الداعمة للفكرة بشكل مباشر بحيث تشكل أسانيد قوية يصعب تجاهلها. لكن في حالة غياب مثل هذه الأسانيد من المفضل أن نلجأ إلى مقاربة الفكرة بما يتوفر من أفكار أخرى قريبة.
· حشد البيانات والتصريحات والمعلومات القادرة على كشف الغموض المحيط بالفكرة والتي تهيئ، في الإطار الإعلامي، إلى مزيد من البحث والتقصي.
منهجية النص (2)
ليكن معلوما أنه ما من نص يعتمد منهجية واضحة ومحددة ويحترم ثقافة جمهوره وعقولهم إلا ويكون نصا متميزا بقطع النظر عن المحتوى. وليكن معلوما أن المنهجية ليست أسلوبا في الكتابة كما يتراءى للبعض بقدر ما هي طريقة منضبطة في التفكير. لذا فالسؤال هو: كيف نكتب نصا منضبطا؟
أكيد أن للصحافة لغتها وأساليبها وفنونها، لكن هذا لا يمنع أن يتقيد الكاتب بما هو أهم من فنون الكتابة، ونعني بذلك المنهج. فالمرحلتين السابقتين (التفكيك والتجميع) ليستا عمليتين يسيرتين كما قد يتصور البعض. فعن أي حشد للأفكار والمعلومات إذن نتحدث؟ وبأية وسائل وتقنيات يمكننا البناء؟
لا ريب أن المسألة ترتبط ارتباطا وثيقا بمنهجية المقالة هل هي مقارنة؟ أم توصيف؟ أم تعليل؟ أم نقد؟ أم استطلاع؟ وهكذا. إذ لا يمكن أن نحشد مثلا عناصر نقدية في مقالة موضوعها وجوهرها هو المقارنة بين حدثين أو أمرين أو شيئين. ففي المقالة النقدية مثلا نقوم باستجماع ما نستطيع من العناصر التي تدلل على نقاط الضعف في موضوع ما. أما في حالة المقالة المقارنة فإننا غالبا ما نبحث عن حشد العناصر المتشابهة في مواجهة العناصر المختلفة، أو البحث في أوجه التشابه والاختلاف. وهذا الأمر ينطبق على المبتدئين بالدرجة الأساس كي يتعلموا مهارات الكتابة بأقصى قدر من الانضباط. لكن من الممكن ملاحظة أكثر من منهجية في بعض المقالات وهذا جائز في العمل الصحفي. بل أن القارئ المتمرس يمكن أن يلاحظ أن مقالة ما قد استعملت منهجية المقارنة والتوصيف في آن واحد. ولا ريب أن مثل هذه المقالات يتمتع كتابها بقدرات عالية في المزج بين أكثر من منهجية واستعمال أكثر من أسلوب في الكتابة دون أن يؤدي ذلك إلى ثقل في النص. فالخبرة كافية لتطويع النص والموضوع ب












