يا أصحاب الحجة والبيان … لا تخطئوا العنوان!

كانون الثاني 5th, 2009 كتبها د. أكرم حجازي نشر في , دراسات وأبحاث

يا أصحاب الحجة والبيان … لا تخطئوا العنوان!

د. عبد العزيز كامل

4/1/2009


    لا أريد بداية بهذه الكلمات أن أصدر بياناً مستقلًّا، فلست إلى هذا الشأن أو ما يدانيه أصل. وأؤكد بداية أني لا أقلل من شأن البيانات والتصريحات التي صدرت عن فاجعة غزو غزة، فلست عن أهمية هذا أغفل. ولا أقصد أن استكثر على أهل غزة أي جهد من القول وإن كان بنصف كلمة، ومن البذل ولو كان بشق ثمرة.  ولكن - ودعوني أقول (ولكن) - أريد لفت الانتباه إلى أننا في أكثر بياناتنا لمعظم ما يصيبنا؛ نصر على حرث البحر، وزرع الهواء، وتلقيح القبور ببذور الزهور، وذلك بتجاهل حقائق ما وراء المواقف، وتجاوز الحكم عليها وبيان الموقف العلمي الشرعي المطلوب فيها، وتعالوا نتأمل في ردود أفعالنا تجاه النوازل المتتابعة التي تعد البيانات الصادرة عن النخب العلمية والفكرية والدعوية أبرز صورها وأقوى صدى لها، لما تمثله من خلاصة رأي الخاصة، التي على العامة أن يأخذوا بها ويتحركوا على وفقها. وأتجاوز هنا الحديث عن بيانات الهيئات والشخصيات والاتجاهات العلمانية، رسمية كانت أو شعبية، قاصدًا البيانات الصادرة عن فعالياتنا الإسلامية. ولنأخذ النازلة الأخيرة في غزة نموذجًا، سواء طوال مدة الحصار، أو ما تلاها من فتح بوابات الجحيم والنار على إخواننا الصامدين:

 × فأكثر بياناتنا منذ بدأ الحصار، تطالب وتناشد (المنظمات الدولية)، بأن تطبق مقررات العدل، وتراعي قيم الإنسانية، وتتدخل لإنهاء هذه المأساة، مع علمنا أنهم لا يسمعوننا، ولو سمعوا ما استجابوا لنا! وتدل على ذلك عشرات إن لم تكن مئات المرات التي جرى فيها بيننا وبينهم حوار الطرشان دون إسماع أو إفهام!

 × ومعظم البيانات والنداءات منذ بدأ الحصار، تناشد (الأنظمة العربية) أن تدخل بكل ثقلها لرفع المعاناة عن إخواننا، ونحن نعلم أن أكثر تلك الأنظمة كانت مشارِكة مشارَكة منظمة في صنع هذه الحالة، بوضع غزة تحت وطأة الحصار، توطئة لإدخالها تحت خط النار، والهدف إخراج حماس من المعادلة، لأن أجندتها لم تعد مناسبة لطريق الاعتراف والتطبيع الذي تتوجه إليه معظم تلك الأنظمة.

 × ولم تخل بياناتنا طيلة مدة الحصار؛ من مناشدة الحكومة المصرية، بأن تتجمل وتتكرم، وتستجيب للنداء والرجاء والاستجداء، بفتح كوة التنفس من بوابة رفح، مع أن كثيرًا من الموقعين على البيانات التي صدرت سابقًا ولاحقًا يعرفون أن مصر الرسمية في حرب مع الاتجاهات الإسلامية ولو كانت سلمية في مصر والعالم منذ عقود طويلة، ولذلك كان بدهيًّا أن نتوقع استمرار الحصار مضروبًا حتى يحقق هدفه، وهو إسقاط حكومة حماس الجهادية بصيغتها الإخوانية التي ما يزال النظام المصري منهمكًا في حرب مفتوحة مع شقيقتها المصرية رغم سلمية طريقتها ومدنية نشاطها!

×  وكل بياناتنا بشأن محنة إخواننا، كانت تنادي ولا تزال تطالب (الإخوة الفرقاء) بالالتقاء، ونسيان الخلافات وتوحيد الطروحات، مع يقيننا بأن الخلاف بين زعماء الفريقين خلاف تضاد منهجي، لا تنوع حركي، ومع علمنا بأن طريقي الإيمان والنفاق لا يلتقيان، وأن الأمانة والخيانة نقيضان لا يمتزجان، وأن صيغة الوحدة الوحيدة المقبولة لدى الأنظمة مصريًّا وفلسطينيًّا وعربيًّا ودوليًّا، هي أن تركع حماس ومعها قيم الإيمان، لتخضع لسلطة عباس ولي الأمريكان، وأن تظل الرايات العلمانية هي المرفوعة مرفرفة إلى جوار رايات الدولة الصهيونية اليهودية.

     لهذا قلت وأقول: تبقى أمور من (البيان) ينبغي أن يراعيها ولا يتجاهل معانيها أي بيان أو تصريح أو فتوى أو تحرك يصدر عن خواص الأمة بشأن نوازل المسلمين حاضرًا أو مستقبلًا، وهي الأمور والقضايا التي تقف خلف المواقف والنوايا المعلنة من الأطراف في كل أزمة، ولا شك أن استكشاف ذلك ثم كشفه مهم، وهو ليس من الأمور المعضلة أو الخفايا الغامضة، بحيث نساهم بسكوتنا عنه أو تجاهلنا له في تحقيق مآرب المخططين، وتغطية سوءات المتآمرين؟ لا يكفي في الأحداث الكبيرة أن يعرف الناس تسلسلها والجديد فيها، بل الأهم من ذلك أن يعرفوا حقيقة ما أدى إليها وما يتوقع من ورائها، وهذه وظيفة الخواص في اقتناص لحظة الحدث لتحقيق (استفاضة البيان) بشأن القضايا التي تتوه في التفاصيل أويطويها النسيان.

    إن ما يسمى – مثلًا – (بالنظام الدولي) والذي أجهدنا أنفسنا في مناشدته بالضغط لرفع الحصار ثم السعي لوقف العدوان، هو بالضبط من أسبغ على ذلك الحصار ثم ذاك العدوان صبغة الشرعية الدولية تمامًا كما فعل في حصار العراق ثم العدوان عليه، وحصار أفغانستان ثم العدوان عليها، والحصارات التي فرضت ويمكن أن تفرض على بلاد أخرى إسلامية تمهيدًا للعدوان عليها، مثل السودان أو الصومال أو غيرها من شعوبنا الإسلامية المتربص بها لأهداف استكبارية، كما أن ذلك النظام الدولي هو الذى أعطى شرعيته الدولية منذ ست عقود لوجود الدولة الصهيونية المعتدية على أرضنا الإسلامية، إضافة إلى ذلك فإن (المجتمع) الدولي الرسمي تحت ذاك النظام هو الذي اجتمع مع أمريكا في حربها العالمية ضد المسلمين المقاومين للعدوان، باسم الحرب على (الإرهاب) التي كان ولابد أن تشمل منظمة حماس وفقًا للتصنيف الأمريكي، والتصفيق العربي.

×  وإن ما يعرف (بالنظام العربي) في معظم دوله، كان من البدهي أن نفهم بأنه شريك رسمي معلن لأمريكا في حربها ضد ذلك الإرهاب المدعَى، فكان من غير المتوقع أن يرفع ذلك النظام حصارًا فرضته الحليفة الكبرى – أمريكا ـ لأن المحاصرين ليسوا فقط حركة إرهابية كما تصنفها الحكومة الأمريكية، ولكن حكومة إرهابية كما وصفتها الحكومة الصهيونية، وتبعتها منظمة التحرير الفلسطينية!

 × وكذلك فإن (النظام المصري) الذي لم يسمح لجماعة الإخوان المسلمين المسالمة في مصر بالمشروعية عبر أكثر من نصف قرن مع تسميته لها (بالجماعة المنحلة) في عهوده المتتالية؛ لم يكن ليسمح - كما قال مسئول رفيع في النظام – (بإمارة إسلامية) على حدود مصر، مع أن ذلك النظام وغيره رضوا واعترفوا وطبعوا مع دولة همجية عنصرية توسعية على حدود أربع دول عربية، مع علم الجميع بأنها تستهدف ما تحت كراسيهم، وما فوق عروشهم في خططها المعلنة المستقبلية!

 × وهكذا أيضًا – يا موقعون - كيف تتوقعون بل كيف تطالبون في بياناتكم بمزج المنهج العلماني الوضيع، بمنهج الإسلام السامي الرفيع، عن طريق مناشدة الإسلاميين في فلسطين أن يكونوا صفًّا (واحدًا) مع العلمانيين الخائنين للوطن والدين؟ ومتى حدث في التاريخ أن يكون المنافقون والمؤمنون بعضهم أولياء بعض؟!

 × ثم إننا نتوهم ونوهم الأخرين، ونظل نتوقع ونوقع الآخرين في تحقق خرافة دعم الأنظمة للحركات المقاومة، ففي كل نازلة ترتفع الأصوات في البيانات والمؤتمرات والندوات منادية تلك الحكومات بإعلان الجهاد، ودعم حركات المقاومة في العالمين العربي والإسلامي، ومدها بما تحتاج إليه من مال وعتاد، مع ضرورة تحريك الجيوش التي تتسلح بالمليارات من ميزانيات قوت أطفالنا، وأدوية مرضانا، ومشاريع تشغيل شبابنا العاطل ومرافقنا المهملة.

     نطالب بذلك كل مرة مع تأكدنا بأن تلك الجيوش لم تعد لها وظيفة إلا حماية العروش، ومع يقيننا بأن الدور المناط بمعظم تلك الحكومات هو مقاومة المقاومة، حتى تبقى تلك الأنظمة وحلفاؤها سالمة.

 × وأيضًا فإننا نسرف في التعويل على الصراخ والعويل في مظاهراتنا ومسيراتنا (السلمية)، تحت وقع الضربات (الحربية) التي تفتك بالآلاف من المدنيين قبل العسكريين، مطالبين بتدخل الزعماء دعمًا لتحرك الشعوب؛ مع أننا لم نر في أزمة من أزماتنا أن تظاهرات المحتجين وحدها؛ أعادت حقًّا، أو أرجعت أرضًا أو تبعتها مناصرة الرسميين، مدنيين أو عسكريين، خاصة في بلاد المسلمين، ولكن العسكر لو تحركوا، فلقمع المحتجين وتفريق المتظاهرين، أو على الأقل انتظارهم حتى يقضوا وطرهم وينفسوا احتقانهم ثم ينصرفوا راشدين

المزيد


قراءة في دراسة

أغسطس 13th, 2008 كتبها د. أكرم حجازي نشر في , دراسات وأبحاث

بدعوى مكافحة الإرهاب:

 راند توصي باحتلال المجتمعات

د. أكرم حجازي

13/8/2008

إسلام أن لاين

121

   بخلاف دراسة سابقة لها بعنوان: ماذا بعد القاعدة 2006 Beyond al-Qaeda أصدرت مؤسسة راند دراسة جديدة نشرت في 29/7/2008 بعنوان: كيف تنتهي الجماعات الإرهابية؟ How Terrorist Groups End? . ومن الواضح أن السؤال يحتاج إلى إجابة إلا أنه ليس هدفا بحد ذاته. فهو، على الأكثر، آلية استقراء لاستخراج ما يمكن إسقاطه على واقع بعينه أو للاسترشاد به في معالجة مشكلة أكثر أهمية وإلحاحا. وفي ضوء الدراسة يمكن أن يكون السؤال المركزي، بلغة الدراسة، هو التالي: إلى أي مدى يمكن الاستفادة من نهاية المجموعات الإرهابية السابقة في القضاء على نموذج القاعدة؟ هكذا بالضبط يمكن التعبير عن جوهر الدراسة والغاية منها. لكن ما هي حقيقة الدراسة وخفاياها؟ هذا ما سنحاول الكشف عنه تاليا.

                                                     جواهر الدراسة (1)

المستوى الأول من الدراسة:

1) نهاية المجموعات الإرهابية بحسب معيار الوسيلة المستخدمة

  تقول الدراسة أنها عاينت 648 مجموعة إرهابية تواجدت في الفترة ما بين 1968 – 2008. وفي تحريها عن نهاية هذه المجموعات، التي انتهى بعضها فعليا منذ العام 1968 فيما لا يزال بعضها الآخر عاملا إلى يومنا هذا، تبين لها أن:

·            43% منها انتهت بفعل اندماجها في العمل السياسي.

·            10% حققت أهدافها.

·            7% انتهت باستعمال القوة العسكرية.

2) نهاية المجموعات الإرهابية بحسب معيار الوقت

    لاحظت الدراسة أن:

·        62% من كل المجموعات الإرهابية انتهت منذ العام 1968، مقابل 32%  من المجموعات الإرهابية الدينية.

·    المجموعات الكبيرة التي تضم أكثر من  عشرة آلاف عضو انتصرت في أكثر من 25% من الأوقات بينما ندر انتصار الجماعات الأقل من ألف عضو.

·    في 50% من الوقت انتهت المجموعات بتسوية تفاوضية مع الحكومة. و 25% من الوقت حققت المجموعات الإرهابية النصر .و 19% من الوقت حققت القوات العسكرية النصر عليها وأنهتها .

3) ميزات الوسائل المستخدمة في مواجهة الجماعات الإرهابية

·   أجهزة الأمن والشرطة

ترى الدراسة أن الأعمال الشرطية والمخابراتية أظهرت أنها الإستراتيجية الأكثر نجاحاً بخصوص  المجموعات الإرهابية التي لا تستطيع أو لن تستطيع التحول إلى عدم العنف، وأن نسبة النجاح بلغت 40%. فالشرطة والخدمات التخابرية لديها تدريب ومعلومات أكثر لاختراق وإفساد المنظمات الإرهابية أفضل من المؤسسات الأخرى كالمؤسسة العسكرية. ولديها تواجد دائم في المدن والحواضر والقرى، وفهم أفضل للبيئة التي ينبع منها الخطر في هذه المناطق، وكذلك قدرة أعلى في فهم الناس هناك والتعامل معهم.

·   القوات العسكرية

   جماعات التمرد العسكري كانت من أكثر المجموعات الإرهابية قدرة وفتكاً، والقوات المسلحة كانت في العادة ضرورة في مثل هذه الحالات. لكن استخدام القوات المسلحة ضد أغلب المجموعات الإرهابية يعد الوسيلة الأكثر فظاظة.

المستوى الثاني من الدراسة:

1) عودة القاعدة

   اعتمادا على ما سبق في المستوى الأول تنطلق الدراسة مما تعتبره دلائل تظهر أن الإستراتيجية الأمريكية بعد هجمات 11 سبتمبر لم تكن ناجحة في تقويض وهدم قدرات القاعدة التي مازالت منظمة قوية ومتماسكة. وأن أهدافها بقيت كما هي.

    فالقاعدة قامت بنشاطات إرهابية منذ 11 سبتمبر أكثر من كل ما قامت به في تاريخها السابق. وهذه  الهجمات شملت أوروبا وآسيا والشرق الأوسط وأفريقيا. بل أن الطابع الإجرامي للقاعدة طور وضم واستخدم ذخيرة مطورة من العبوات المتفجرة ونمى استخدام التفجيرات الانتحارية. وكذلك تطور الهيكل التنظيمي للقاعدة مما يجعلها عدو أكثر خطورة عن قبل.

2) تغيير استراتيجي

    وعليه ترى الدراسة أن عودة القاعدة يجب أن تطلق إعادة تفكير مبدئي أو أساسي في الإستراتيجية الأمريكية المضادة للإرهاب على أن يفهم صناع السياسات أين يعطوا الأولوية لجهودهم. وكنتيجة لما تضمنه المستوى الأول فإن الحل السياسي مع القاعدة غير ممكن لاسيما وأن التحليلات الواردة فيه أظهرت أنه لا يوجد حل عسكري للإرهاب، لذا فإن المنهج الأكثر فعالية هو تبني إستراتيجية من جبهتين أو من شقين:

أولاً: الجهود الشرطية والمخابراتية يجب أن تكون هي العمود الفقري للجهود الأمريكية في أوروبا وأمريكا الشمالية وشمال أفريقيا وآسيا والشرق الأوسط.

ثانياً: القوة العسكرية، وليس بالضرورة الجنود الأمريكان، قد تكون أداة ضرورية في حال انخراط القاعدة في تمرد مسلح. فالقوات العسكرية المحلية ( الجيوش المحلية ) كثيراً ما تكون لديها شرعية أكبر للعمليات من الولايات المتحدة. كما أن لديهم فهم أفضل لبيئة العمليات. وهذا يعني أنه يجب ألا يظهر سوى أثر طفيف جداً أو حتى لا أثر على الإطلاق للقوات العسكرية الأمريكية.

3) المفاتيح الفعالة

   في التفاصيل؛ تلح الدراسة على ما تعتبره مفتاحا فعالا لهذه الإستراتيجية الجديدة يقضي بالتوقف نهائيا عن استخدام تعبير الحرب على الإرهاب واستبداله بتعبير ومبدأ مثل مكافحة الإرهاب مثلما فعلت من قبل الحكومة البريطانية وآخرين غيرها. لأن التعبير يجعل الجماهير سواء في الولايات المتحدة أو في غيرها يتوقعون وجود حل لمشكلة الإرهاب في ساحة الحرب الميدانية، ويدفع الآخرين خارج الحدود إلى إعلان الجهاد ضد الولايات المتحدة ويرفع مكانتهم في حين يجب أن يُنظر إلى الإرهابيين، ويوصفوا، كمجرمين لا كمحاربين مقدسين.

     كما أن الاستراتيجية الجديدة تشمل عدم السماح بجر القوات العسكرية إلى معارك مباشرة كونها تحقق عكس الهدف الذي ترمي إليه. فهي في العادة تُستخدم بكثافة وتنفر العامة من طبيعتها ذات اليد الثقيلة. أما القوات الخاصة الأمريكية فسوف تبقى مهمة جداً كما هي العمليات العسكرية. ويجب أن تشمل هذه الإستراتيجية الجديدة، أيضا، إعادة توزيع المصادر والاهتمامات الأمريكية على العمل الشرطي والتخابري، وهي تعني أيضاً زيادة الميزانيات.

4) سبب للتفاؤل

    تختم الدراسة بقدر لا بأس به من التفاؤل. إذ أن فرص نجاح القاعدة في الإطاحة بأية حكومة قريبة من الصفر. فضلا عن أن القاعدة لديها أهداف غير قابلة للتحقيق عملياً في محاولتها لإزالة أنظمة حكم عديدة في الشرق الأوسط. كما أن التأييد الشعبي الذي تحظى به القاعدة في غالبية العالم الإسلامي لا يتحول إلى تأييد ضخم كما هو الحال بالنسبة لحزب الله في لبنان. وزيادة على ذلك فالقاعدة مستمرة في توسيع قائمة أعداءها. وصنع عالم من الأعداء مع امتلاك أهداف غير قابلة للتحقيق ليس بإستراتيجية انتصار.

 

                        خفايا الدراسة ومخاطرها (2)

     لا شك أن المطلع على منهجية العلوم الاجتماعية الأمريكية يدرك أنه بصدد بحث إمبريقي (تجريبي) بامتياز. بمعنى أن أصحاب الدراسة تعمدوا النأي بأنفسهم عن الذاتية في الإجابة على السؤال: كيف تنتهي الجماعات الإرهابية؟ تاركين لنهايات التجارب التاريخية الكلمة الفصل في التوصيات. وهكذا تبدو الدراسة متمتعة بقدر كبير من المصداقية والحيادية بما أن: (1) الأرقام هي من يتحدث بلا مواربة، وهي (2) صاحبة السلطان في صياغة التوصيات الملائمة وليس التحليلات أو التنبؤات التي قد تصيب أو تخطئ. لكن إلى أي مدى تبدو الدراسة محايدة فعلا؟ وما قيمة توصياتها وأثرها على الدول والمجتمعات المستهدفة؟

الديمقراطيون أو تواطؤ راند

  إننا نطرح السؤال كون المؤسسة التي أنجزت الدراسة، واختارت مسبقا المنهج الإمبريقي انطلقت في التحليل، على ما يبدو، من فرضية لديها ترقى إلى مستوى الإثبات حتى قبل أن يجري فحصها منهجيا في ضوء تجارب الجماعات المسلحة. وهذه الفرضية (المسلمة) تقول بأن القاعدة ما زالت منظمة قوية ومتماسكة، وأن لا حل عسكري لها في الميدان! ولا شك أن هذه ليست نتيجة بقدر ما هي حقيقة تعترف بها المؤسسة مسبقا. بطبيعة الحال سيلاحظ القارئ، بداية أو نهاية، أن الدراسة تتحدث عن فشل استراتيجي أمريكي في التعامل مع القاعدة بعد هجمات 11 سبتمبر، وهذه مسألة تعتبر بالنسبة للدراسة دلائل لا تحتاج إلى إثباتات. فما الذي أرادت الدراسة، إذن، إثباته أو نفيه؟ وبماذا سيفيدها الرجوع إلى تاريخ الجماعات المسلحة؟ هل تريد التفتيش عن آليات جديدة للقضاء على القاعدة باعتبار أن الآليات المعمول بها منذ 11 سبتمبر آلت إلى الفشل؟ أم تريد إثبات فشل السياسات الأمريكية في التعامل مع القاعدة في ضوء التجارب السابقة للجماعات المسلحة؟ وهل استعملت المنهج الإمبريقي لإثبات صحة توجهاتها؟ أم لخدمة توجهات أطراف أخرى؟ باختصار: ما هي خلفيات الدراسة؟

المزيد


أمة في خطر 3

حزيران 7th, 2008 كتبها د. أكرم حجازي نشر في , دراسات وأبحاث

أمة في خطر

( 3 )

آليات المشروع الصفوي 

د. أكرم حجازي

صحف – 7/6/2008

  9053

    … هكذا إذن ثمة مشروعين يتهددان الأمة والمنطقة ويسعيان إلى التسلط عليها أو على الأقل تقاسم النفوذ فيهما، ولأننا بصدد معالجة بقايا المشروع الإيراني يمكن ملاحظة أن الشواهد على صفوية المشروع أكثر من الشواهد على كونه مشروع مقاومة. ولمزيد من المعاينة والتثبت يمكن التوقف عند بعض الآليات المستعملة في بناء ما يسمى بأكثر من الهلال الشيعي.

أولا: تأسيس أدوات ضاربة

     فالإيرانيون، في تأسيسهم، للحرس الثوري جعلوا منه كتلة عسكرية وأمنية ومالية ذات صلاحيات وامتدادات واسعة في شتى أنحاء العالم. ولا شك أن المطلعين على بنية هذه المؤسسة يدركون حتما أنها قوة تفوق قوة الجيش الإيراني ذاته خاصة وأنها تتكفل بمهمات حماية الثورة والقدرة على التدخل والحسم فضلا عن الأذرع الأمنية والتجسسية العاملة في أسخن المناطق وأبردها. هذه المؤسسة تكفلت، مبكرا ، في تأسيس قوى سياسية وعسكرية ضاربة لإيران في أكثر من منطقة خاصة تلك التي يتواجد فيها ديمغرافيا شيعية، مثل حزب الدعوة وقوات بدر وميليشيات جيش المهدي في العراق وحزب الله في لبنان وجماعة بدر الدين الحوثي في اليمن بالإضافة إلى هزارة أفغانستان وشيعة الباكستان وغيرها. فما الذي تريده إيران من هذه القوى؟

الحوثي في اليمن   

    ففي اليمن لم يكن المذهب الزيدي شيعيا إلا في كونه يقدم حب آل البيت على ما عداهم دون أن يمس من إيمان الصحابة ومكانتهم أو يروج لأية معتقدات مغايرة لما عليه أهل السنة، ولم يتغير هذا الحال ابدأ إلا حين تدخلت إيران بوسائل مختلفة تجلت أخيرا في صورة تحريفات واضحة في الزيدية تمخض عنها صدامات بين الدولة وما يعرف بجماعة بدر الدين الحوثي. ومعروف أن الصراعات القبلية في اليمن مع الدولة وقعت جميعها على خلفية مطالب اجتماعية واقتصادية وخدمات غالبا ما كانت تنتهي بالمصالحة ما أن تحصل القبائل على بعض المطالب، لكن مع جماعة الحوثي فقد تكررت الصدامات الدموية عدة مرات بحيث صار السؤال المطروح هو: إذا كانت جماعة الحوثي حركة احتجاج سياسي أو اجتماعي أو اقتصادي فلماذا لم تحظ بمناصرة بقية القطاعات الاجتماعية؟ ومن أين تستمد قدرتها على الاستمرارية خاصة وأن أحداثا من هذا النوع تحتاج ولاشك إلى جهة داعمة لها ماليا وعسكريا وإلا ما كان لها أن تصمد في أكثر من جولة دامية؟ أما السؤال الأكثر أهمية فهو: لما يكون علماء الزيدية أنفسهم قد نبذوا حركة الحوثي ونزعوا عنها أي غطاء ديني، فلأية أهداف تقاتل؟ ولمصلحة من؟

   الحقيقة أن الإيرانيين يعرفون أن حركة الحوثي ليست حركة انقلابية ولا استئصالية لنظام سياسي واجتماعي ينخره الفساد من رأسه حتى أخمص قدميه، فالذي يعرف البلاد يدرك أن الفساد في اليمن، بخلاف الغالبية الساحقة من الدول التي تعاني منه، ضرب المجتمع والدولة على حد سواء، وبالتالي فحركة الحوثي ليست حركة احتجاجية ولا إصلاحية بقدر ما هي أداة لا أكثر ولا أقل. لكن لمصلحة من؟ ولأية أهداف؟

     الأرجح أن الهدف الإيراني من مشروع الحوثي هو خلخلة التصور الزيدي وتحويره من الأساس ليصير جزء من التصور الشيعي. بمعنى أن الإيرانيين الذي استطاعوا اختراق الزيدية يجهدون اليوم، عبر جماعة الحوثي، في تثبيت فكرة أن الزيدية في اليمن هي بذرة صالحة للتحوير يمكن البناء عليها لاحقا بحيث تصير طائفة شيعية في خدمة المشروع الصفوي ونقطة ارتكاز حاسمة في محاصرة الجزيرة العربية من الجنوب.

حزب الله في لبنان

   بعيدا عن الملف العراقي الذي لم يعد خافيا حجم المشروع الصفوي فيه فإن حزب الله في لبنان يلعب دورا مثيرا بوصفه رأس الحربة في إصابة القسم الأعظم من السنة بفيروس الصمم عبر ما يسمى بمشروع المقاومة. لكن الواقع يقول أنه لا إيران ولا حزب الله يمثلان خيارا سنيا على مستوى الأمة، أما على مستوى لبنان فالمسألة عويصة خاصة وان انقسامات السنة تجاه الموقف من حزب الله، فيما عدا بعض القوى السلفية أو ذات الطابع السلفي، أفرادا وجماعات،  تبعث على العجب. إذ نجد:

·  فئات سنية من بينها الجماعة الإسلامية بقيادة فتحي يكن، وأغلب الشخصيات السنية البارزة تقع في نطاق محور الحريري – السنيورة – جعجع. وميزته امتلاك المال. ويحظى بدعم عربي ويراهن على الموقف الأمريكي. أما أهدافه فهي وضع حد لسلاح حزب الله بوصفه سلاح يقع فوق سلطة الدولة وليس تحتها.

·  فئات سنية حليفة لمحور حزب الله – حركة أمل - ميشيل عون. وهو محور يرفع شعار المقاومة ويحظى فقط بالدعم الإيراني والسوري. وقد يبدو ضعيفا من الناحية السياسية لكنه، ميدانيا، هو الأقوى على الإطلاق.

   ففي التاسع من شهر أيار/مايو الماضي كانت بيروت الغربية مسرحا لتدخل عنيف من حزب الله، تبعها في اليومين اللاحقين إحكام القبضة على المدينة والتوجه نحو حصار منطقة الجبل حيث يتحصن وليد جنبلاط ومقاتلو الحزب التقدمي الاشتراكي. وقد تفجرت الأوضاع على خلفية قرارين اتخذتهما حكومة فؤاد السنيورة بناء على نصيحة خاطئة كما يقول السنيورة دون أن يحدد الجهة المعنية. أما القرارين فيتعلق أحدهما بشبكة الاتصالات الهاتفية لحزب الله والتي تشمل لبنان وتضم نحو 90 ألف خط خارج سيطرة الدولة، والآخر يتعلق بإقالة رئيس جهاز أمن المطار العميد وفيق شقير من مركزه.

    ومَن تابع وقائع الأحداث لا بد وأنه لاحظ عبارات من نوع حزب الله: يجتاح بيروت أو يسيطر على بيروت أو يغتال بيروت أو يحتل بيروت أو سقوط بيروت، وكل واحدة من هذه العبارات وأمثالها تعكس في الحقيقة جزء من الصورة، وفي المقابل سادت عبارات من جانب الحزب أو المؤيدين له من نوع: انتصار المقاومة أو هزيمة العملاء أو عبارات طائفية تحمل شحنة عاتية من الاستفزاز للسنة مثل: ناموا على عمر وأصبحوا على علي. ولا شك أن السنة أصيبوا بالإحباط من السرعة التي جرت بها الأحداث وتمخضت عن حسم الموقف لصالح حزب الله. لكن هل هذا النجاح عائد لضعف الأداء السني؟ أم لقوة الحزب على الأرض؟

   لا أحد ينكر الدور العربي وخاصة السعودي في إنشاء وتعزيز محور الحريري الذي استطاع في فترة وجيزة تحقيق سيطرة سياسية على بيروت وغالبيتها السنية فيما عدا الضاحية الجنوبية ذات الكثافة الشيعية، ناهيك عن التمدد نحو بيروت الشرقية حيث الغالبية المسيحية من السكان. وفي الحقيقة فإن النفوذ الحريري في لبنان بلغ مبلغا قويا سواء في مدينة صيدا الجنوبية أو طرابلس شمالا وحتى البقاع شرقا. ومع ذلك فقد هزم التيار المسمى الآن قوى 14 آذار شر هزيمة في بضع ساعات. واستسلم عناصره أو فروا أو سلموا أسلحتهم للجيش اللبناني. أما لماذا؟

·  فلأن التحشيد والاستقطاب وقع، شكليا، على أساس طائفي بينما حقيقة المراهنات السنية على التيار الحريري لم تكن كذلك ولم تكن حتى سياسية بقدر ما كانت مصالح ومكاسب مالية وانتهازية.

·  ولأن الجيش اللبناني تواطأ مع حزب الله مما يشير إلى اختراقات واسعة النطاق ليس في صفوف ا


المزيد


أمة في خطر 2

حزيران 3rd, 2008 كتبها د. أكرم حجازي نشر في , دراسات وأبحاث

أمة في خطر

(2)

المشروع الإيراني الصفوي

د. أكرم حجازي

 صحف- 3/6/2008

 436ima

     قبل الحديث عن فتنة سنية شيعية يلزم القول أن الذين يحذرون من مشروع صفوي ضد السنة حيثما كانوا هم أولئك الذين يتشاركون العيش تاريخيا في الحيز الجغرافي مع نسبة لا بأس بها من الشيعة كما هو الحال في السعودية والعراق ولبنان والكويت والبحرين واليمن والباكستان وأفغانستان ومناطق أخرى مشابهة. لكن، وفيما عدا نفر محدود جدا عبّروا عن  مخاوف جدية لديهم، بعد احتلال العراق، مما أسموه بخطر التمدد الشيعي فإن مواقف عامة السنة في بلدان مثل مصر والشام والمغرب العربي، تبدو أبعد ما تكون عن الاعتقاد بأية فتنة أو الشعور بخطر شيعي يتهدد معتقداتها، والأصح أن بعضها أبدى تعاطفا أشد سواء مع إيران فيما يتعلق بحقها في امتلاك السلاح النووي أو مع حزب الله كرمز للمقاومة التي رفعت، بالنسبة إليهم، رأس العرب عاليا.

   وهكذا يكون السنة على طرفي نقيض فيما يتعلق بالموقف مما يسمى بالمشروع الصفوي، فثمة طرف يشكو بمرارة ما يتعرض له السنة على أيدي الشيعة في العراق وأفغانستان بالدرجة الأساس ودونهما في إيران ولبنان وطرف يشكل الغالبية الساحقة لا يأبه لأي موقف نقدي أو عدائي ضد إيران أو حزب الله بما أنهما يخوضان صراعا مع من يفترض أنهم أعداء الأمة … بطبيعة الحال العربية وليس الإسلامية، بل تراه ينقضّ بشراسة على أبناء طائفته منددا بمواقفهم ومستنكرا أفعالهم لكونهم يصطفون في خندق العداء للمقاومة، بقصد أو بدون قصد. ولكن بما أنه لا خلاف، نظريا على الأقل أو حتى إعلاميا، بين وجهتي النظر على اعتبار المشروع الأمريكي – الغربي – الصهيوني هو مشروع احتلال وتسلط وحرب على الإسلام والمسلمين سواء في المنطقة العربية أو في العالم؛ فما هي مبررات العداء للمشروع الإيراني؟ وهل هو حقيقة مشروع مقاومة وتحرير يستحق المراهنة عليه؟ أم أنه مشروع صفوي يستهدف العقيدة؟ 

    الحقيقة أن تصريحات د. أيمن الظواهري حين أشار إلى جدية الصراع بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، وكذا تصريحات بن لادن وهو يصف حرب تموز في لبنان بين إسرائيل وحزب الله بأنها حرب للدفاع عن النفس لا أكثر ولا أقل، هي تصريحات بالغة الأهمية كونها: (1) تُسقط المشروع الإيراني كمشروع مقاومة على مستوى الأمة وتَعرِض لفكرة جديرة بالاهتمام حين ترى بأن (2) كِلا المشروعين الأمريكي – الغربي والإيراني، بالأساس، منفصلين عن بعضهما، وكل ما في الأمر أنهما يتساكنان ويتصارعان على (وليس في) مناطق نفوذ واحدة، وأن (3) تقاطعهما في مواضع عدة ليس سوى تعبير عن الحاجة إلى تبادل المنافع التي قد تتمظهر، بحسب الحاجة، في صيغة تحالف علني تارة أو بغض الطرف تارة أخرى. لكن إن لم يكن المشروع الإيراني مشروع مقاومة فماذا سيكون؟

مَنْ هو عدو إيران؟

   إن أفضل تقييم لملف التسلح الإيراني ينبغي أن تكون مصادره من داخل إيران ذاتها كي نتجنب محاولات التضليل أو التضخيم للقوة الإيرانية كما سبق وحصل بالنسبة للعراق حينما صنفت المصادر الغربية العراق بوصفه يمتلك رابع أقوى جيش في العالم لتبرير تدميره وإزالة خطره على المحيط والعالم. لكن بالنسبة لإيران فالمهمة سهلة بما أن الإعلام ومسؤولي الدولة هم أنفسهم من يصرح ببعض ما تمتلكه إيران من قوة وتكنولوجيا عسكرية أو مدنية. أما لماذا يفعلون ذلك فلأنهم يرسلون رسائل التعبير عن القوة الفعلية لديهم للحيلولة دون مهاجمة إيران التي باتت تمتلك تكنولوجيا عسكرية فضلا عما لديها من تكنولوجيا مدنية، وبالتالي على الغرب أن يفهم جيدا أن: (1) أي هجوم يستهدف إيران سيكون بالغ الخطورة على أمن العالم برمته وليس فقط على منطقة الخليج العربي، وأن يفهم أيضا أن (2) لإيران الحق في امتلاك التكنولوجيا وليس استيرادها ولا الوصاية عليها بما في ذلك التكنولوجيا النووية على وجه الخصوص.

   في هذا السياق بالضبط تنشط الدبلوماسية الإيرانية دوليا مثلما نشطت وما تزال، إعلاميا، في الكشف عن بعض مصادر القوة العسكرية لديها برا وبحرا وجوا، فقد أدهشت إيران الخبراء العسكريين في أكثر من استعراض لقدراتها في تكنولوجيا التسلح سواء في صناعة الطائرات والرادارات والصواريخ البحرية المضادة للسفن والقوارب الطيارة أو في مجال صناعة الصواريخ القصيرة والمتوسطة المدى أو في القدرة على إنتاج القضبان النووية وتخصيب اليورانيوم فضلا عن بعض مشاهد إذلال البحرية البريطانية والفرنسية في مياه الخليج.

   لا شك إذن أن إيران دولة تراهن، ليس فقط، على العلم والمعرفة، بل، وعلى امتلاك التكنولوجيا واستخدامها والدخول في منافسة محمومة حتى مع الدول الكبرى بخلاف الدول العربية وأغلب الدول الإسلامية التي أضاعت حتى لغتها الوطنية وأخرجت المراهنة على العلم من حيز التفكير والاهتمام لتجعل منه القيمة الأدنى في سلم القيم الاجتماعي، ويكفي تصور ما لدى إيران من قدرات علمية ملاحظة تصريحات سعيد سركار مدير لجنه الكوادر الإنسانية في هيئه تكنولوجيا النانو أن بلاده انتقلت من المرتبة 36 عالميا سنة 2005 إلى المرتبة 32 في هذا النوع من التكنولوجيا، أما على المستوى الإسلامي فقد احتلت إيران المرتبة الأولى متفوقة بذلك على تركيا النشطة في هذا الحقل العلمي، وأشار سركار إلى أن إيران، إذا ما استمرت بذات السرعة فستقفز إلى المرتبة 24 عالميا، وستكون قادرة على بلوغ المرتبة 15 بحلول العام 2015. والمدهش أن تَوجُّه إيران نحو هذه التكنولوجيا بدأ فقط في شهر سبتمبر سنة 2003 حين أعلنت إيران عن تأسيس اللجنة الخاصة لتطوير تكنولوجيا النانو بإشراف مباشر من رئيس الجمهورية.

    وفيما يخص البحث العلمي فقد كشف النقاب عن 1400 متخصص يعملون في هذا الحقل حاليا في مرحلتي الماجستير والدكتوراه، وأن إيران أحرزت تقدما لافتا على صعيد نشر المقالات العلمية في المجلات العالمية المعتمدة حيث بلغت 250مقالة خلال العام 2005 بينما كانت لا تتجاوز 53 مقالة خلال سنة 2004، وأوضح سركار أن متوسط الرجوع إلى المقالات الإيرانية العلمية في هذا الحقل تفوق المتوس

المزيد


أمة في خطر 1

أيار 31st, 2008 كتبها د. أكرم حجازي نشر في , دراسات وأبحاث

أمة في خطر

د. أكرم حجازي

صحف - 31/5/2008

121220

   كل الكتاب والمفكرين الأمريكيين خاصة والغربيين عامة وحتى الزعماء الذين تحدثوا عن حرب صليبية ضد الإسلام وأهله لم يكذبوا أو يهولوا أو يبالغوا حتى لو تراجع بعضهم عن كتاباته أو تصريحاته لضرورات تمليها ظروف العداء. بل أن المعادلة الصريحة الوحيدة المعمول بها منذ انهيار الاتحاد السوفياتي إلى يومنا هذا والمعروضة على العالم هي معادلة شريرة وذات طابع رقمي بامتياز إما معنا أو ضدنا، ولم يعد خافيا على أحد حقيقة هذه المعادلة التي أدركها حتى العرب وهم في أوهن حالاتهم، ومن العبث أن نخدع أنفسنا ونبرئ كتابات فوكوياما وهنتنغتون أو دانييل بايبس والقس جيري فالويل وجيري فاينز وبات روبرتسون  وفرانكلين جراهام وأمثالهم فضلا عن تصريحات بابا الفاتيكان بينديكت السادس عشر وزعامات العالم الكبرى أمثال مارغريت تاتشر وبيرلوسكوني وجورج بوش عن التمهيد لهذا الصدام القادم وهو مُحصّن بأبشع أدوات الفتك والدمار والحقد والضغائن المتراكمة منذ قرون ضد الإسلام والمسلمين، بل من البلاهة والجبن أن نعايش كل أشكال العداء ابتداء من وسائل الإعلام والضغوط الدبلوماسية والاقتصادية وانتهاء بالآلة العسكرية الأمريكية التي تضرب في أمة الإسلام حيث تواجدت ناهيك عن الترسانة الأمنية والاستخبارية التي تعمل في شتى أنحاء العالم على مدار الساعة ثم نقول أن ما يجري هي زلات لسان أو دواعي الحرية أو ضرورات أمنية! فما هي مبررات هذا الصدام وغاياته؟ وما هي آلياته وتحالفاته؟ وما هي تداعياته؟ وما هي خيارات الأمة ودفاعاتها في مواجهته؟ وهل أن المشروع الأمريكي – الغربي – الصهيوني منفصلا عما يسمى بالمشروع الإيراني الصفوي؟

وحدة المشروع الأمريكي – الغربي – الصهيوني

 (1)

وحشية العلم وتوحش البشرية

   بدا واضحا منذ البواكير الأولى للرأسمالية وولادة عصر الآلة في مطلع القرن التاسع عشر أن البشرية مقدمة على توحش ضد بعضها، فمن يمتلك العلم والمعرفة سيمارس الغزو والقتل والنهب ضد من لا يمتلكها، منذ ذلك الحين ثبتت معادلة لم تتغير إلى يومنا هذا مفادها أن البشرية تزداد توحشا كلما تقدمت علميا، بل أن الحضارة الراهنة لم تسبقها أو تجاريها أيا من الحضارات الإنسانية وحشية ضد كل الكائنات الحية حتى ضد طوبوغرافيا الطبيعة وجيولوجيتها التي لم تسلم من التدمير والتخريب المتعمد. لا شك أنها مفارقة عجيبة حين يتحول العلم من منقذ إلى مدمر ومن بشير إلى نذير  كلما خطا خطوة إلى الأمام. فما أن اخترعت الآلة حتى بشرنا العلم بعهد استعماري مباشر، وما أن تََقدَّم قليلا حتى انهارت أسلحة الدمار الشامل على البشر لتفتك بعشرات الملايين منهم، وها هو العلم، مع نهاية العقد الأخير من القرن العشرين، ينفجر في سلسلة من الثورات المعرفية أبرزها:

1- ثورة العولمة، والتي انفجرت بعد انهيار الحرب الباردة محيلة الاقتصاد العالمي فقط إلى معايير السوق صاحب السلطة الوحيدة والمطلقة في تحديد سعر السلعة. ولأن القرن الراهن هو قرن الخدمات والتجارة الحرة فعلينا القبول بتوسيع مفهوم السلعة ليشمل سائر العلوم الوضعية وسائر قطاعات الأمن والعسكر وسائر المنظومات الأخلاقية والعقائد والأديان وسائر الحضارات والثقافات وسائر السلوك الإنساني وكل ما يخطر على البال. ويكفي إسقاط العولمة على أي فعل إنساني أو آلي لنكتشف بالنهاية أنه لم يعد أكثر من مجرد سلعة يجري تداولها بين البشر. ويكفي أن نلاحظ أن العولمة نظام اقتصادي جائر يخلو من أية عدالة أو احترام لخصوصية الآخرين مثلما أنها لا تحفظ حقا لأحد طالما أنها بالمحصلة صناعة رأسمالية متوحشة ليست الطبقة الوسطى حتى في قلب الدول الرأسمالية إلا أحد أشد ضحاياها ناهيك عن الفقراء في شتى أنحاء الأرض والذين ستطحنهم العولمة طحنا.

2- الثورة المعلوماتية (الرقمية)، وهي الثورة التي سيهاجر فيها العالم الاجتماعي إلى الفضاء الافتراضي أو الحيز الذي ولدته العلوم الرقمية مولدا قارة سادسة تنضاف إلى القارات الخمس. وهي تمثل أضخم مشروع سرقة عرفه التاريخ الإنساني منذ ولد آدم وإلى يومنا هذا، وأضخم مشروع أمني جعل من التجسس على البشر أفرادا وجماعات ودول موضة العصر، فلا خصوصية ولا حرمة ولا حصانة لأي كائن حي طالما قبل بأن يكون جزء من منظومة الاتصال والتواصل مع هذه العلوم وإلا فما عليه إلا اعتزالها. أما ما تقدمه الصناعات الرقمية من عروض على منتجاتها ففيها من الإغراء والحاجة ما يصعب على الفرد تجاهله بالنظر إلى سرعة تقدمها وسرعة شيخوختها، فما يصلح اليوم ليس بذي فائدة بعد بضعة أسابيع أو أشهر.

3- الثورة الجينية، أو الهندسة الوراثية، وقد لدت في أعقاب الإعلان العالمي عن اكتشاف 90% من خريطة الحياة ( DNA ) أو أسرار الجينوم في شهر أيار / مايو 2002. وهي ثورة تمكن من الاطلاع على أسرار الحياة والتحكم الفسيولوجي والبيولوجي في الكائن الحي.

4- ولا شك أنها المقدمة التمهيدية لأكثر الثورات العلمية صدمة للبشر وهي ثورة تكنولوجيا النانو Nanotechnology التي تقود مشروعها شركة IBM الأمريكية، وسيباشر العمل بها بعد عشر سنوات من الآن. فما الذي نفهمه من هذه التكنولوجيا التي يساوي النانو الواحد فيها 1/ مليار من المتر؟

   إذا كانت العولمة تنطلق من مفهوم السلعة في السيطرة على العالم فـ Nanotechnology تنطلق من الجزيء وليس من المادة، فالبشرية سبق لها وأن طوّعت المادة في مرحلة اكتشاف الآلة (ق19)، ومع ذلك فقد احتاجت لأكثر من مائة عام حتى انفجرت الثورة الصناعية في منتصف القرن العشرين، ثم عشر سنوات لتدشن بدايات العصر الرقمي وثلاثين عاما لتصبح بعض منتجاته في متناول العامة من الناس، لكننا الآن على أبواب تطويع الجزيء نفسه بحيث يمكن التلاعب به وإعادة صياغته وابتكاره في بضع سنين والاستفادة من منتجاته بمواصفات فائقة الدقة. وكي نتحسس بعض الأهمية فيما يجري على الصعيد العلمي يكفي ملاحظة أن تطويع المادة قد نجح في نقل البشرية من طور إلى طور بحيث لم يعد ممكنا ولا بأي منطق العودة  إلى الوراء. فهذا ما يتوقع حصوله في السنوات القادمة، فالتكنولوجيا المنتظرة وهي تركز على صناعة الأجهزة الدقيقة من جزيئات مجهرية سيكون بمقدورها التدخل في شتى صنوف الحياة وإحداث قطيعة مادية وابتسمولوجية (= معرفية) مع الماضي، وستنقلب سائر العلوم الوضعية خاصة الصحيحة رأسا على عقب، فلن يكون الطب الذي نعرفه هو الطب القادم ولا الفيزياء التي نتعلمها ولا الأحياء ولا الكيمياء ولا الهندسة بشتى فروعها بما فيها هندسة الجزيء ذاته ولا الزراعة ولا الطاقة ولا المواصلات والاتصالات ستشابه مثيلاتها مما مضى، وتبعا لذلك ستتغير منظومات العلاقات الإنسانية وأنماط الاجتماع الإنساني والاقتصادي، وستتغير معها حكما منظومة العلاقات الدولية وقوانينها وتقسيماتها وأنماط الصراع والسيطرة والتحالفات والعداوات.  

   هكذا إذن، وبحدود مائتي عام، استطاعت البشرية أن تحقق قطيعة مع الماضي وهي تبدأ من الصفر، لكنها الآن في قمة التطور والتقدم العلمي، وتحقيق القطيعة الثانية لن يستغرق سوى بضع سنين وهو ما يثير الهلع والرعب من هكذا علوم، إذ أن السيطرة على المادة لتحقيق سعادة البشرية ورفاهيتها خلّف آلاما لم تشهدها البشرية فيما مضى من حروب فتاكة وسحق للكائن الحي وتدمير للبيئة بصورة وحشية وظواهر مقيتة كالاستعمار والاستعلاء والعنصرية والإلحاد والفقر والجوع والجهل وتكدس للثروة واستغلال للشعوب ونهب للثروات وتدمير للحضارات والثقافات وحروب إثنية وطائفية ودينية لا حدود لها، فهل سيكون التحكم بالجزيء وهو يختصر على البشرية من الوقت مئات السنين أقل وحشية وأكثر رحمة بالبشر؟

آن وقت الحصاد

    الأرجح أن الثورات الجديدة التي من المفترض أن تضع حدا لمعاناة القرنين الماضيين ستكون وبالا على البشرية، وستجعل من الشعوب المتخلفة وجغرافيتها وبيئتها أكبر مخبر للتجارب ومخلفات العلوم الجديدة، فمعادلة التوحش لم تستنفذ أغراضها بعد وهي محملة بأحقاد وضغائن وثقافة

المزيد


بانتظار النشر

شباط 6th, 2008 كتبها د. أكرم حجازي نشر في , دراسات وأبحاث

 

برعاية المعهد العربي للبحوث والدراسات الإستراتيجية
      عمان - الأردن
     يوم الاثنين الموافق 11 شباط / فبراير 2008
مدخل إلى السلفية الجهادية ومشروعها الجهادي
(نموذج العراق)

منذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر التي استهدفت بعض رموز القوة في الولايات المتحدة وما بعدها برزت ظاهرة "السلفية الجهادية" كفاعل استراتيجي دولي مميز وفريد من نوعه سواء تعلق الأمر بالحدث السياسي أو بالحدث الأمني. فأنْ يستفيق العالم على أحداث بهذه الضخامة فهي مسألة في غاية الإثارة، لكن أن يتحسب لوقوع أحداث مماثلة في المستقبل فهي مسألة تبعث على الدهشة حقا، وتستوجب التوقف عندها. إذ أن الإشكال المطروح هنا يتعلق في الأهداف والطموحات التي تسعى السلفية الجهادية إلى تحقيقها، وما إذا كان ممكنا وقف هذا الاندفاع والتحدي الذي تشكله الظاهرة.
   فالظاهرة، شئنا أم أبينا، وفي ضوء عروضها العسكرية والأمنية النوعية على المسرح الدولي، باغتت في فعالياتها ومساعيها كل من السياسي والديني والاجتماعي والثقافي والعلمي والمعرفي وحتى الحضاري قبل أن يستشعر أحد بجدية المخاطر التي تخلفها في بنية التنظيم الدولي والعلاقات الدولية. وفقط بعد فوات الأوان تفطنت الولايات المتحدة، كخصم، إلى جدية الظاهرة فأعلنت حربا عليها عبر ما تسميه "مكافحة الإرهاب العالمي" وجندت تحالفا دوليا لتحقيق الغرض، لكن هذه الحرب أثارت الكثير من التساؤلات إذا ما أعيد النظر، على الأقل، في التصريحات الأمريكية إن لم نقل في السياسات خاصة فيما يتعلق بمفهوم "الفوضى الخلاقة". ذلك أن المفهوم يحيل البعض إلى الاعتقاد بوجود توجهات أمريكية تقضي بغض الطرف عن نمو السلفية الجهادية وغيرها من الظواهر التي من شأنها إشاعة فوضى يمكن السيطرة عليها من جهة وتوظيفها كآليات وأدوات تسمح بالمزيد من التدخلات الأمريكية من جهة أخرى. بل أن هذا البعض يغالي أكثر في الاعتقاد بأن السلفية الجهادية ليست أكثر من علامة تجارية أمريكية مسجلة في حظائر وكالات الاستخبارات الأمريكية[1].
    وفي الواقع فإن المسألة مختلفة، إذ يصعب تقبل الأحداث الراهنة وتطورات الظاهرة وخطابها بموجب معايير أيديولوجية أو حزبية أو تنظيمية خصيمة لها أكثر من الولايات


المزيد


دراسة السلفية الجهادية: المصادر والمراجع

أغسطس 31st, 2006 كتبها د. أكرم حجازي نشر في , دراسات في السلفية الجهادية, دراسات وأبحاث

قائمة المصادر المراجع
·         القرآن الكريم
·         الحديث النبوي الشريف
·         أبو مصعب السوري، بيان صادر عن مكتب الشيخ (أبو مصعب السوري)، 15/11/2004
·          أبو مصعب السوري (عمر عبد الحكيم)، دعوة المقاومة الإسلامية العالمية، طبعة ذي القعدة 1425هـ/ ديسمبر 2004م.
·         أبو مصعب السوري: (مختصر شهادتي على الجهاد في الجزائر1996-1998)، 1/6/2004.
·         أبو مصعب السوري،مسؤولية أهل اليمن تجاه مقدسات المسلمين وثرواتهم، سلسلة قضايا الظاهرين على الحق (2)، مركز الغرباء للدراسات الإسلامية.
·         أبو مصعب الزرقاوي، شريط الفيديو المرئي الأول، 25/4/2006.
·         أبو مصعب النجدي، معركة القاعدة معركة اقتصادية لا عسكرية، الجبهة الإعلامية الإسلامية العالمية: سلسلة الكتابات والمقالات لأبي مصعب النجدي، جزيرة العرب 29/8/1426. http://www.al-hesbah.org/v/showthread.php?t=36599
·         د. أحمد فريد السكندري، السلفية قواعد وأصول، 25/8/1426، بحث من 30 صفحة على موقع شبكة صيد الفوائد: http://www.saaid.net/book/7/1135.doc.
·        الصحفي أحمد موفق زيدان، "هل بايع حكمتيار زعماء تنظيم القاعدة ؟؟!!، بلوج:
          http://www.maktoobblog.com/ahmedzaidan?post=35031.
·         أسامة مناصفي، السلفية الجهادية: بدايات ومآلات (3-10)، بحث خاص بموقع "إنباء" الإخباري،31/12/2004،http://www.inbaa.com/modules.php?name=Content&pa=showpage&pid=60.
·          الشيخ عبيد بن عبدالله بن سليمان الجابري، "أصول وقواعد في المنهج السلفي- الجزء الأول، سلسلة لقاءات بتاريخ 26 ربيع الأول1421هـ ، على موقع شبكة سحاب:
http://www.sahab.net/sahab/showthread.php?threadid=305314.
·         العميد د. محمد بن صنيتان، الوهابية .. دعوة سلفية، مجلة الحرس الوطني السعودية،العدد 244، 1/10/2000. على موقع المجلة في الشبكة:
·         http://haras.naseej.com/Detail.asp?InNewsItemID=93050.
·          د. أكرم حجازي، "تأملات في الحالتين التنظيميةوالسياسية لحركة حماس ما بعد غزة"، 29/11/2005 المنشورة في صحيفة الحقائق الدولية الصادرة في لندن، وعلى الشبكة الدولية: www.alhaqaeq.net/authors.asp?authorid=603 - 182k.
·         د. أكرم حجازي، " قراءة في الظهور المفاجئ للزرقاويصحيفة الحقائق الدولية في لندن بتاريخ 5/3/2006) ومجلة العصر الإلكترونية.
·         اليكسي فاسيلييف، تاريخ العربية السعودية، شركة المطبوعات، بيروت – لبنان، ط2- 2000. كتاب رقم 77 على موقع مكتبة الحرمين على الشبكة:
http://www.alhramain.com/text/kotob/Acrobat/77/f.htm.
·         أوليفيه روا، "وهم العودة الى الجذور: نقدالإسلام الحرفي"، موقع "جدل" على الشبكة:
      http://www.jadal.org/?p=205.
·         باسل الكبيسي، حول حركة القوميين العرب، مطبعة الناصر، لقدس، 1974.
·         

المزيد


دراسة السلفية الجهادية: الحلقة الرابعة والأخيرة

أغسطس 31st, 2006 كتبها د. أكرم حجازي نشر في , دراسات في السلفية الجهادية, دراسات وأبحاث

وهي على مشارف فلسطين:
 رحلة في صميم عقل السلفية الجهادية
(القاعدة نموذجا)
صحيفة القدس العربي - لندن
31/8/2006
http://www.alquds.co.uk/index.asp?code=qp17
 

ثانيا: فلسطين كهدف للقاعدة
    لقد سبق القول أن القاعدة تنظيم يستقي توجيهاته من المصادر السلفية الأربعة ويستعمل السلفية بوصفها منهج في التفكير والعمل، والسؤال الجوهري الذي سنطرحه يقول: ماذا يقدم المنطق السلفي بالنسبة لفلسطين؟ بل هل يمكن للقاعدة أن تفكر في فلسطين بغير المنطق السلفي؟
1) المحتوى الديني وتطبيقاته
    في الحقيقة يصعب القول أن يكون التفكير في فلسطين واقعا خارج المنطق السلفي المزدحم في التوجيهات العقدية. ففي القرآن الكريم ثمة عشرات الآيات التي تتحدث عن اليهود والنصارى وموالاة المشركين والكفار، أما عن فلسطين فثمة سور كاملة وليس آيات فقط، ومن ذلك:
 أ- الأرض المباركة
 - قوله تعالى في قصة موسى: ( وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُواْ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ {137} )، الأعراف. فقد أورث بني إسرائيل مشارق أرض الشام ومغاربها بعد أن غرق فرعون في اليم.
 - وقوله في قصة الإسراء: ( سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ{1} )،الإسراء.
 - وقوله في قصة إبراهيم: ( وَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ {70} وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ {71})، الأنبياء. ولقد نجَى الله إبراهيم ولوطا إلى أرض الشام من أرض الجزيرة والعراق.
 - وقوله تعالى: (وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ {81}‏)، الأنبياء. و إنما كانت تجري إلى أرض الشام التي فيها مملكة سليمان.
 - وقوله تعالى في قصة سبأ: ( وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ {18} )، سبأ. وهو ما كان بين اليمن حيث مساكن سبأ وبين قرى الشام من العمارة القديمة.
   ولو تتبعنا الأحاديث النبوية عن الأرض المباركة لوجدنا أن عشرات الأحاديث تختص بمنطقتين شملتهما بركة الله ما لم تشمل أية مناطق أخرى فيما عدا مكة والمدينة. هاتان المنطقتان هما الشام بما فيها بيت المقدس واليمن. ومن مضمون الأحاديث سنلاحظ أن لفظة البركة توسطت قلب الرواية ومثلت عصبها، وهذا يؤشر على أن اللفظة صعبة الإحاطة بما أنها تشتمل على دلالات عمومية بحيث يمكن إسقاطها على البشر والمكان والتضاريس والطبيعية والاعتقاد والإيمان والأمن والغذاء وكل ما يمكن تصوره … إلخ
ب‌-  فضائل الشام واليمن
   أما عن الأحاديث النبوية الشريفة فقد وردت في روايات عديدة مفسرة وموضحة بعضها ونذكر منها دون تكرار فيما يتعلق باختلاف الروايات إلا ما وجب، ومنها:
     قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : " سَيَصِيرُ الْأَمْرُ إِلَى أَنْ تَكُونُوا جُنُودًا مُجَنَّدَةً جُنْدٌ بِالشَّامِ وَ جُنْدٌ بِالْيَمَنِ وَ جُنْدٌ بِالْعِرَاقِ قَالَ ابْنُ حَوَالَةَ خِرْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ فَقَالَ عَلَيْكَ بِالشَّامِ فَإِنَّهَا خِيرَةُ اللَّهِ مِنْ أَرْضِهِ يَجْتَبِي إِلَيْهَا خِيرَتَهُ مِنْ عِبَادِهِ فَأَمَّا إِنْ أَبَيْتُمْ فَعَلَيْكُمْ بِيَمَنِكُمْ وَاسْقُوا مِنْ غُدُرِكُمْ فَإِنَّ اللَّهَ تَوَكَّلَ لِي بِالشَّامِ وَ أَهْلِه"ِ. قال ربيعة: فسمعت أبا إدريس يحدث بهذا الحديث يقول: ومن تكفل الله به فلا ضيعة عليه. وروى البخاري: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ  قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي يَمَنِنَا". وروى أبو داوود: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ  قَالَ: " إِنَّ فُسْطَاطَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ الْمَلْحَمَةِ بِالْغُوطَةِ إِلَى جَانِبِ مَدِينَةٍ يُقَالُ لَهَا دِمَشْقُ مِنْ خَيْرِ مَدَائِنِ الشَّامِ". وروى الترمذي عن رَسُولُ اللَّهِ  أنه قَالَ: " إِذَا فَسَدَ أَهْلُ الشَّامِ فَلا خَيْرَ فِيكُمْ لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي مَنْصُورِينَ لا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ". وعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَال:َ " كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ  نُؤَلِّفُ الْقُرْآنَ مِنْ الرِّقَاعِ فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ  طُوبَى لِلشَّامِ فَقُلْنَا: لأَيٍّ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّه؟ِ قَالَ: لأَنَّ مَلائِكَةَ الرَّحْمَنِ بَاسِطَةٌ أَجْنِحَتَهَا عَلَيْهَا". وفي رواية أخرى عن زيد بن ثابت: ‏"‏ … إن الرحمن لباسط رحمتهعليه‏"‏‏.‏ وأخرج ابن ماجة والحاكم وصححه وابن عساكر عن أبي هريرة رضي الله عنه: سمعت رسول الله  يقول: " إِذَا وَقَعَتِ الْمَلاحِمُ خرج بَعْثٌ مِنَ الْمَوَالِي من دِمَشْق هُمْ أَكْرَمُ الْعَرَبِ فَرَسًا وَ أَجْوَدُهُم سِلاحاً يُؤَيِّدُ اللَّهُ بِهِمُ هذا الدِّينَ". وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله : "إني رأيت عمود الكتاب انتزع من تحت وسادتي فنظرت فإذا هو نور ساطع عمد به إلى الشام ألا إن الإيمان إذا وقعت الفتن بالشام".  وعن سالم بن عبد الله عن أبيه رضي الله عنه قال: قال رسول الله : "ستخرج نار في آخر الزمان من حضرموت تحشر الناس قلنا: بما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: عليكم بالشام". وأخرج السيوطي والطبراني أن رَسُولُ اللَّهِ  قَال: "عَقْرُ دارِ الإسلامِ بالشام". وعن ابن عمر أن رسول الله  قال: "اللهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا‏.‏ فقال رجل‏:‏ وفي شرقنا يا رسول الله‏؟‏فقال‏:‏ ‏‏اللهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا‏‏‏.‏ فقال رجل‏:‏ وفي مشرقنا يارسول الله‏؟‏ فقال‏:‏ ‏"اللهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا، إن من هنالك يطلع قرنالشيطان وبه تسعة أعشار الكفر وبه الداء العضال‏"‏‏.‏ وعن ابن مسعود قال‏:‏ قال رسول الله ‏: "لا يزال أربعون رجلاً من أمتي قلوبهم على قلب إبراهيم، يدفع الله بهم عن أهلالأرض، يقال لهم‏:‏ الأبدال‏"‏‏. وعن شريح بن عبيد قال‏:‏ ذكر أهل الشام عند علي وهو بالعراق، فقالوا‏:‏ العنهم ياأمير المؤمنين، قال‏:‏ لا إني سمعت رسول الله  يقول‏:‏ "البدلاء بالشام، وهم أربعون رجلاً، كلما مات رجل أبدل الله مكانه رجلاً يستقى بهمالغيث، وينتصر بهم على الأعداء، ويُصرف عن أهل الشام بهم العذاب‏"‏‏.‏
ج- فضائل بيت المقدس
 أما فيما يتعلق ببيت المقدس والشام حصرا فما يعنينا هي الأحاديث التالية:
     قال رسول الله : "لا تزال طائفة من أمتي على الدين ظاهرين لعدوهم قاهرين لا يضرهم من خالفهـم إلا ما أصابهـم من لأواء حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك. قـال: يا رسول الله وأين هـم؟ قـال: بيت المقدس وأكناف بيت المقدس". وعن أبي هريرة عن النبي  قال‏:‏ "لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أبواب دمشق وما حوله، وعلى أبواب بيت المقدسوما حوله، لا يضرهم خذلان من خذلهم، ظاهرين على الحق إلى أن تقوم الساعة‏"‏‏.‏
    وعن معاذ بن جبل قال: "وهم بالشام"، وفي تاريخ البخاري مرفوعا قال: "وهم بدمشق"، وفي صحيح مسلم عن النبي  أنه قال: "لا يزال أهل الغرب ظاهرين لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة"، وقال أحمد بن حنبل: أهل المغرب هم أهل الشام وهم كما قال: لوجهين، أحدهما أن في سائر الحديث بيان أنهم أهل الشام، وثانيهما أن لغة النبي  وأهل مدينته في أهل المشرق هم أهل نجد والعراق، وكان أهل المدينة يسمون الأوزاعي إمام أهل الغرب، و يسمون الثوري شرقيا من أهل الشرق، ومن ذلك أنها خيرة الله في الأرض وأن أهلها خيرة الله وخيرة أهل الأرض.
    ومثل هذه النصوص القرآنية أو الأحاديث النبوية لا يمكن إلا أن تجدها معروضة وموثقة ومسندة ومشروحة ومعلق عليها في أية محاولة للتيار الجهادي وللقاعدة لتشريع قتال اليهود والصليبيين سواء كانت بحثا أو مقالا أو خطبة أو توجيه أو رسالة صوتية أو مرئية. والسؤال الحاسم الآن هو: كيف توظف القاعدة المحتوى الديني للوصول إلى فلسطين؟
   من الأفكار المركزية التي تبرر للقاعدة تواجدها وتبنيها للمواجهة مع ما تعتبره قوى الظلم والكفر العالميين هو دفاعها بالدرجة الأساس عن دين الله قبل عباد الله، ولهذا فالجهاد بالنسبة لها هو عبادة وفريضة متعينة في هذه الأيام لنصرة الدين ورد العدو الصائل في ديار المسلمين ورفع الظلم عن المستضعفين كما تقول. وفي هذا السياق بالضبط تجيء أحاديث فضائل الشام كمنطلق للحشد والرباط والجهاد باعتبار الشام موطن البركة والأمن ونصرة الدين مثلما هي أيضا موطن الطائفة المنصورة. ولأننا في صلب المحتوى الديني سنلاحظ ما يلي:
·         إن الأحاديث النبوية تحدثت عن ثلاثة أجناد محددة هي جند الشام وجند اليمن وجند العراق.
·         كما أن الأحاديث باركت في اليمن والشام ولكنها فيما يخص القتال والنصرة وخيرة بني البشر ركزت على الشام وبيت المقدس دون غيرهما.
·         كما أن الأحاديث اختصت الشام برحمة الله وكفالته وفي رواية أخرى بحماية الملائكة لها.
·         كما أن الأحاديث تبشر بالشام كملجأ آمن حيت تقع الفتن والملاحم.
·         كما أن الأحاديث تثبت أن الشام تحوز على سنة التدافع الإنساني، بمعنى أن التغيير المحتمل ينطلق منها قبل غيرها.
     وفي الحقيقة يمكن الإشارة إلى الكثير مما يذكره مفكرو القاعدة أو أنصارها فيما يتعلق بمواطن البركة في هذه المناطق. فهل يعني هذا أن الشام واقعة لا محالة في صلب عقل القاعدة كمنطلق قادم للعمل؟ يبدو الأمر كذلك وفي الصميم، وإلا فما قيمة هذه الأحاديث إن لم يُعمَل بها؟ ففي وثيقتها الشهيرة يتبين أن القاعدة تحضّر في المرحلة الثالثة منها والمسماة بـ "مرحلة النهوض والوقوف على القدمين" لإحداث " نقلة نوعية مهمة في عملية التغير في المنطقة المحيطة بالعراق، حيث سيتم التركيز في البداية على الشام، وأن اختيار الشام لم يكن عشوائياً بالنسبة لهم، فهم يستندون إلى الأحاديث النبوية الصحيحة التي وردت عن الرسول ، تتحدث عن حصار الشام بعد العراق[1]". وبطبيعة الحال لا تغفل الوثيقة الدور الذي ستلعبه طلائع جند الشام التي تتهيأ لشن هجمات داخل سوريا حاليا، وهو ما نشهد بواكيره الأولى منذ نحو عام على الأقل.
 وحين التحري عن استراتيجية القاعدة، وفقا للمرحلة الثانية ( فتح العيون 2003-2006) من خطتها
 المعلنة، سنلحظ مزيدا من الوضوح في التركيز على تحقيق هدفين مركزيين حين يتعلق الأمر بفلسطين:
الأول: تتوجه فيه القاعدة إلى تحقيق المزيد من الحشد والرباط في المناطق المحيطة ببيت المقدس
 تأسيسا على ما تراه وثيقة الاستراتيجيا بأن القاعدة ستغدو تيارا جامحا يصعب القضاء عليه.
    الثاني: يبدو هدفا احترازيا ومشروطا بتحقق أحد شقيه أولا، فإذا تفتح

المزيد


دراسة السلفية الجهادية: الحلقة الثالثة

أغسطس 30th, 2006 كتبها د. أكرم حجازي نشر في , دراسات في السلفية الجهادية, دراسات وأبحاث

وهي على مشارف فلسطين:
 رحلة في صميم عقل السلفية الجهادية
(القاعدة نموذجا)
صحيفة القدس العربي - لندن
30/8/2006
http://www.alquds.co.uk/index.asp?code=qp17
من الواضح أن التسمية ارتبطت بظروف معينة، ومن الأوضح أيضا أن القاعدة كتنظيم ارتبطت بأسامة بن لادن. وستكون الفترة الممتدة بين عامي 1992– 1996 حاسمة على كافة الأصعدة المتعلقة ببروز القاعدة كتنظيم جهادي فريد من نوعه. ولكن متى؟ وكيف؟ فمنذ أن قرر بن لادن الاستقرار في أفغانستان ومباشرة العمل الميداني سنة 1986 إلى حين الهزيمة السوفياتية الساحقة والذهاب إلى السودان لم يكن له سوى هدفين مركزيين هما:
·         هدف عام يتمثل في المشاركة في الجهاد الأفغاني وإقامة الدولة الإسلامية في أفغانستان.
·        هدف خاص يتمثل بمشروع جهادي يكون اليمن الجنوبي الشيوعي ساحته،وقد باشر ذلك
 
خلال سنتي (1989-1990) واستمر في محاولته إلى قيام الوحدة[1] ولكن دون أن يحقق أي نجاح يذكر بسبب ما اعتبره خذلانا من الزعماء التقليديين للجماعات الإسلامية لاسيما الشيخ مقبل الوادعي شيخ السلفية هناك.
     لذا فقد حبذ العمل، في أفغانستان، مستقلا إلى جانب التيارات الأخرى المشاركة والتي عملت بنفس الطريقة من الإعداد والتدريب والتوجيه لأهداف قطرية، وكان له ما أراد. ولم تكن له، طوال مرحلة الجهاد الأفغاني الأول، عداوات ولا مشاكل كبيرة مع الحكومة السعودية حتى ذلك الحين، ولم يكن ميالا حتى لفكرة عولمة الجهاد إلى أن ظهرت مشكلة الكويت سنة 1991 واستقدام القوات الأميركية إلى الجزيرة العربية وما خلفه هذا الاستقدام من زلزال عنيف أصاب الأمة وقسمها أفقيا ورأسيا ليس على خلفية احتلال العراق للكويت بل على مشروعية وجود قوات غربية صليبية في أرض الحرمين والاستعانة بها. وكانت التيارات الجهادية العاملة في أفغانستان أكثر من عانى من آثار هذا الزلزال. وتأسيسا على حالة الانقسام هذه بين ساسة الأمة من جهة وبين علمائها من جهة أخرى مثلت السنوات الفارقة بين السودان وطالبان المخاض الفكري الحاسم لدى بن لادن والذي انتهى إلى إعلان الحرب على الولايات المتحدة الأمريكية وعلى الأنظمة السياسية العربية قاطبة متهما إياها بالكفر والردة والتعاون مع الأعداء. وكان لهذا التحول سببين كما يورد أبو مصعب السوري:
·         تأثر بن لادن بتيارات الجهاد الإسلامي القادمة من مصر.
·         الحضور الأمريكي والغربي الكثيف للقوات المسلحة في الجزيرة العربية بدعوة من حكامها،
 والأنكى منه ما اعتبره تشريعا من هيئة علماء المسلمين الرسمية لهذا الحضور.
 ومن الطبيعي أن يستدعي هذا التحول مواقف جديدة كل الجدة، ستدفع بن لادن تدريجيا إلى الصعود أكثر من درجة على السلم حيث سينتقل من صاحب مشروع جهادي محدود إلى زعيم لتنظيم جهادي عالمي، ومن معارض ليّن بالنصيحة والمذكرات والرسائل للحكومة السعودية ولهيئة علماء المسلمين وعلى رأسها الشيخ ابن باز إلى معارض شديد وصعب المراس يصب جام غضبه على السلطة وهيئة العلماء بحملات إعلامية نشطة ومكثفة، ومن معارض للوجود الأميركي ونازع للشرعية السياسية والدينية عنه إلى ذروة السلم كمقاوم بالفقه الشرعي وبالسلاح للولايات المتحدة الأمريكية في الجزيرة وفي شتى بقاع الأرض. وتبعا لذلك، وعبر نمط الإسلام الشمولي والعالمي، كان ينبغي التوقف عن المشاريع المحدودة وأن يجري الاستحضار الشرعي للقضية الفلسطينية برمتها عبر الربط الطبيعي بين ما يراه عدوانا أمريكيا على المسلمين في العالم وعدوانا إسرائيليا صهيونيا على المسلمين في فلسطين وبالتالي إضافة المسجد الأقصى إلى قضية الحرمين الشريفين[2].
 ولكن قناعته في السودان التي تحولت إلى ملاذ آمن تحكمه الشريعة سرعان ما بددته الوقائع. ففي سنة 1995 خلال عهد الرئيس بيل كلينتون نفذت الولايات المتحدة برامجها في مكافحة الإرهاب والتي تمثلت بإغلاق كافة الملاذات الآمنة أمام من تعتبرهم إرهابيين، وعملت على نقل وتوسيع مستوى التنسيق الأمني من الحالة الإقليمية إلى الحالة الدولية، وفرضت على الدول توقيع اتفاقيات أمنية لتبادل المطلوبين وطرد ما لديها ممن تعتبرهم إرهابيين أو تسليمهم إلى بلدانهم، وهي سياسة تضخمت إلى حد التخمة في عهد الرئيس بوش الابن لاسيما بعد هجمات سبتمبر. وهكذا لم يجد بن لادن ومن معه من أنصار وقوى جهادية احتمت بالسودان إلا الرحيل صوب إمارة طالبان وبدء المرحلة الجديدة من الجهاد الأفغاني سنة 1996 تحت مظلة ومبايعة الملا محمد عمر زعيم الطالبان. غير أن واقع الأمر مختلف هذه المرة، فالعائدون تغلب عليهم صفة النخبة من بين التيارات الجهادية المختلفة، كما أن عددهم لم يتجاوز في أحسن الحالات بضعة آلاف مع أسرهم. ومع حلول العام 2000 كانوا قد نجحوا في تأسيس 14 تجمعا أو تنظيما أو معسكرا مستقلا ومعترفا به رسميا من قبل طالبان وتربطهم بوزارات الدفاع والداخلية والاستخبارات برامج ضبط وتنسيق وتعاون سواء في تنسيق دعمهم وجهادهم إلى جانب طالبان, أو في برامجهم الذاتية عدا المجموعات الباكستانية التي كانت متعددة ولها أيضا ترتيبها الخاص. وكان ممن عاد لخوض المرحلة الثانية من الجهاد الأفغاني:
·   المجموعات العربية والتي ضمت كل من تنظيم القاعدة بزعامة أسامة بن لادن والجماعة الإسلامية المقاتلة بليبيا بقيادة أبو عبد الله والجماعة الإسلامية المجاهدة في المغرب (مراكش) بقيادة أبو عبد الله الشريف وجماعة الجهاد المصرية بقيادة أيمن الظواهري والجماعة الإسلامية المصرية وتجمع المجاهدين الجزائريين وتجمع المجاهدين من تونس وتجمع المجاهدين من الأردن وفلسطين بقيادة أبو مصعب الزرقاوي ومعسكر خلدن ( معسكر تدريبي عام ) وقاده ابن الشيخ – صالح الليبي ومساعده أبو زبيدة ومعسكر الشيخ أبو خباب المصري ( معسكر تدريبي عام ) ومجموعة معسكر الغرباء التي قادها أبو مصعب السوري.
·         ومن غير المجموعات العربية يشار إلىالمجموعات الأوزبكية ومثلها من تركستان الشرقية المحتلة من قبل الصين بقيادة أبو محمد التركستاني ومجموعات من تركيا[3].
   في الأثناء بذل الكثير من أنصار القاعدة ومفكريها وبعض تيارات الجهاد المصري وغيرها بما في ذلك أبو مصعب السوري جهودا جبارة لإقناع التيارات المختلفة بالانضواء تحت مظلة الجهاد العالمي. ففي فبراير سنة 1998 أعلنت سلسلة من المجموعات المقاتلة في أفغانستان عن الاندماج فيما بينها عبر تشكيل إطار جبهوي أعلن عنه باسم "الجبهة الإسلامية العالمية لقتال اليهود والصليبيين" بقيادة أسامة بن لادن وأيمن الظواهري، وهذا صحيح إلا أننا نتحفظ على ما ذكر من انضمام بعض الجماعات[4] لعدم توفر معلومات دقيقة عن صحة ذلك لاسيما وأن الغالبية الساحقة منها لم تستجب لدعوة بن لادن إلا في اللحظات الأخيرة من العام 2001 حين أقحمتها أمريكا قسرا في هذا الاتجاه بعد هجمات سبتمبر. فقد كان لهذه التيارات برامج قطرية خاصة بها فضلا عن أنها لم تعتد العمل بطريقة التنظيم العالمي وهي المبنية على صيغة التنظيمات القطرية – السرية – الهرمية، والأهم أنها لم تلحظ قط بنية مؤسسية أو أيديولوجية مألوفة لها. إلا أن هذا التمنع توقف فعلا مع الغزو الأمريكي لأفغانستان وانقراض الغالبية الساحقة من رموز التيارات الجهادية ومخزونها البشري قتلا واعتقالا لما يتراوح بين 3000-4000 شخص من بينهم أطفال ونساء، فضلا عن تراجع البعض منها كما فعلت الجماعة الإسلامية فيما عرف عنها بـ "مبادرة وقف العنف".
   هكذا نشأ تنظيم القاعدة وهكذا استقر بعد الاحتلال الأمريكي لأفغانستان، إلا أن التغير الكبير سيأتي تباعا كلما توسعت رقعة المواجهة مع الأمريكان باحتلال العراق حيث سنشهد حينها تفريخا كبيرا للخلايا في عديد البلدان العربية والإسلامية ومزيدا من انضمام التيارات والجماعات إلى التنظيم
أو إلى فكرة الجهاد العالمي.
 ثانيا: المستوى النظري الثاني من التوصيف
   كان أبو مصعب السوري قبل اعتقاله مؤخرا من القلة المعدودة التي نجت من مذبحة الفتك بأفغانستان والتي نفذتها الولايات المتحدة وباكستان غداة هجمات سبتمبر، وكان واحدا من أعمدة الفكر الاستراتيجي للتيارات الجهادية الراهنة وخاصة القاعدة بوصفه مشاركا ومؤرخا ومحاضرا ومحاورا ومدربا في معظم التجارب الجهادية العربية وحتى غير العربية، ولا شك أن له تأثيره الخاص على توجهات تنظيم القاعدة نحو العالمية، كما أن مشروعه في الدعوة إلى مقاومة عالمية شاملة لاقى تجاوبا في المحصلة وباتت أفكاره تعبر عن صميم تفكير القاعدة. ومن الطريف ملاحظة تسمية المؤلف الضخم الذي افتتحه بلفظة " دعوة … " وليس حركة أو تنظيم أو حزب. وعلى فرادة وجدية الموضوعات المطروحة وذات الصفة الموسوعية، وحين سبر أغوار المؤلَّف المنهِك وتوابعه من الإنتاجات الغزيرة للكاتب الصوتية منها والمرئية سيتبدى بوضوح ما يمكن اعتباره توصيفا بالغ الدقة لتنظيم القاعدة حاليا والذي امتنع عن التعرض له بالكتابة.
   ففي المؤلَّف يعرض السوري لدستور الدعوة بشكل مفصل وميسر، وفي المادة الأولى منه يكشف النقاب عن هوية الدعوة عبر النص التالي:
   " دعوة المقاومة الإسلامية العالمية ليست حزباً, ولا تنظيماً, ولا جماعة محدودة محددة. فهي دعوة مفتوحة. هدفها هو دفع صائل القوى الاستعمارية الصليبية الصهيونية الهاجمة على الإسلام والمسلمين. ويمكن لأي تنظيم أو جماعة أو فرد اقتنع بمنهجها وأهدافها وطريقتها, الدخول فيها بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر"[5].
    هذه ملاحظة يصعب تجاوزها أو التقليل من مضمونها وخلفيات بنائها لاسيما أنها خُطَّت بعد نحو ثلاث سنوات من سقوط طالبان ومذبحة القاعدة في قلعة جاجي. وفي رسالة وجهها أحد رواد المنتديات الجهادية إلى تنظيم القاعدة بعنوان: "رسالة عاجلة جدا إلى تنظيم القاعدة في جزيرة العرب (السعودية)" يحذر فيها من أن التنظيم الذي نجح في "فرض منطق القوة العسكرية" فشل في تحقيق اختراق على مستوى الفكر "القادر على إحداث انقلاب فكري في مجتمع جزيرة العرب، بل ظل هذا الفكر كما بدأ في حدود ضيقه ودوائر مغلقه لم يستطع التنظيم الخروج منهاليصبح تيارا شعبيا شاملا ".فإلى أي مدى تبدو مثل هذه الفرضية صحيحة فيما ذهبت إليه؟
    في الحقيقة تبدو صحيحة إلى حد كبير[6] على مستوى الروافد البشرية للتنظيم نفسه والذي يشكو نقصا في الكادر، وهو ما عبرت عنه القاعدة في أفغانستان والعراق عبر دعوات صريحة ومباشرة من قادة التنظيم، وهذا يعود ليس إلى قصور في شيوع أفكار القاعدة بقدر ما يعود بالدرجة الأساس إلى قصور تنظيمي في العمل على تجنيد الأفراد وتأمين نقلهم إلى الجبهات بالرغم من ح


المزيد


دراسة السلفية الجهادية: الحلقة الثانية

أغسطس 29th, 2006 كتبها د. أكرم حجازي نشر في , دراسات في السلفية الجهادية, دراسات وأبحاث

وهي على مشارف فلسطين:
 رحلة في صميم عقل السلفية الجهادية
(القاعدة نموذجا)
صحيفة القدس العربي - لندن
29/8/2006
ثالثا: تطبيقات مفاهيمية (الوطن الإسلامي نقيضا للوطن العربي)
     في الواقع يمكن أن ينقلب الأمر رأسا على عقب، فالوطن والشعب والمجتمع والقومية والأمة والقطر و … كلها مفاهيم حديثة يمكن أن نجد لها نظائر في التاريخ الإنساني وحتى الإسلامي،إلى هنا فليس ثمة مشكلة بعد، ولكن في العقيدة الإسلاميةفالمسألة جد مختلفة، ذلك أن الحديث يجري عن ديار المسلمين أو أرض المسلمين، وحينها يبيت الوطن بالنسبة للمسلم حيث توجد العقيدة ممثلة بالإسلام وأمة المسلمين بغض النظر عن موقع البقعة الجغرافية سواء كانت في مشارق الأرض أو في مغاربها. وبالنسبة للقاعدة من الطبيعي أن يسترشد المسلم بالعقيدة والأحكام الدينية والتشريعات والسنة النبوية، وبتراث السلف الأول من الصحابة والتابعين في بناء استراتيجياته، ومن المؤكد، سلفيا، أن الهجرة إلى أرض الله الواسعة يمكن أن تكون متاحة وواجبة، في ظروف ما، إلى حيث تتحرر العقيدة والدين من وصاية السلطان أو يتبناهما، أو في أي بلد إسلامي سواء كان هذا البلد هو باكستان أو أفغانستان أو الفلبين أو الشيشان أو كشمير أو إندونيسيا أو البوسنة أو ماليزيا أو جنوب أفريقيا أو الجزائر أو اليمن أو العراق أو السعودية أو الشام أو أي بلد آخر.
   ففي الإسلام ثمة أمور تستعص على فهم الآخر، ففي الغرب حيث الديانة المسيحية يمكن للمرء أن تكون له كنيسة يصلي بها ولا يصلي بغيرها! بل أننا نجد كنائس للسود وأخرى للبيض وكنائس للفقراء وأخرى للأغنياء وكنائس للمواطنين ومثلها للمغتربين، وطقوس كنيسية لهذا تختلف عن ذاك في حين تفترض وحدة الديانة والمعتقد طقوسا متماثلة يقع الجميع فيها تحت سقف التعاليم الربانية، وفي إسرائيل أيضا ثمة عنصرية في شتى مناحي الحياة بما في ذلك الدين، وأسوأ من ذلك، فمن غير المسموح أو المألوف مثلا أن يتعبد يهودي في غير الكنيس الذي يتعبد به عادة فإذا ما حان وقت عبادة فعلى اليهودي إن كان ملتزما أن يذهب إلى كنيسه فقط، ولا يجوز له التعبد في كنيس آخر! أما في الإسلام فمن العبث الاعتقاد بعنصرية دينية، فإذا حضرت الصلاة جاز للمسلم أن يؤديها في أي مسجد على وجه الأرض وفي أي مكان إذا تعذر وجود مسجد لسبب ما. فالتماثل ووحدة العقيدة في
 أحكامها ونواهيها وتشريعاتها واحدة في كل زمان ومكان.
   إذن ليس ثمة مشكلة في العيش حيث يتواجد الإسلام والمسلمون طالما أن العقيدة واحدة والرب واحد والنبي محمد  هو خاتم الأنبياء والهدف واحد وهو إقامة الدولة الإسلامية وإحياء سنة الخلافة في الحكم واستئناف تبليغ رسالة الإسلام إلى أمم الأرض. بهذا المحتوى لمفهوم الوطن والشعب والدين سيكون لزاما علينا تقبل أن تكون الأمة الإسلامية برمتها هي المورد البشري بحيث يغدو التنظيم معبرا فعليا عن إطار إسلامي أصيل وليس إطارا قطريا أو قوميا أو إقليميا. فماذا نعني بالإطار الإسلامي؟ وما الفرق بينه وبين الإطار القومي مثلا؟
    إن الفرق بين الإطارين هو حكما فرق في الاعتقاد وبالأصح هو فرق في الإيمان، فإذا كان من الممكن أن يتخلى الفرد عن الأيديولوجيا أو يستبدلها في لحظة من الزمن فمن غير الممكن حدوث الأمر نفسه إذا ما تعلق الأمر في العقيدة، فالإيمان هو قول يصدقه العمل وليس كما تقول الإرجائية إيمان يصدقه القول.
     وإذا انطلقنا من القومية العربية كمثال سنجد أيديولوجيا حظيت بالكتابات الغزيرة والمساندة من قبل المثقفين والسياسيين على السواء، ونظمت لها المؤتمرات والندوات والمهرجانات الخطابية وعزفت لها الأناشيد ما عزفت، بيد أن واقع الأمر يشير مبدئيا إلى:
·        دول أعلنت تبنيها الأطروحة القومية والتزمت فعليا بأطروحة قطرية فجة ترقى في كثير من الأحايين إلى العنصرية ( = الاستعلائية ) إن لم يكن الانغلاق.
·        تربية أجيال بحالها على القطرية والاعتزاز بالذات القطرية، آل بعضها أو أقسام كبيرة من السكان إلى التنكر للعروبة والأصول القومية.
·        التشدد في ممارسة المركزية كخيار الدولة العاصمة نجم عنه إيقاع للتمايز واللامساواة داخل البلد الواحد وعدم التوزيع العادل للثروة.
·        ظهور الأطروحة القومية كأطروحة نخبوية وليس كأطروحة شعبية، بمعنى أن التفاعل في الأطروحة القومية ولد ونشأ وترعرع في مستويات ثقافية وسياسية عليا لم يكن للتشكيلات الاجتماعية شأن بها، وإن تفاعلت معها في بعض الأحايين.
·        تحول الأطروحة القومية إلى مادة للسخرية والحقد والانتقام لدى كافة التشكيلات السياسية والاجتماعية والاقتصادية جزئيا أو كليا، في الداخل القطري والخارج الإقليمي.
·        تفكيك الجغرافيا والديمغرافيا القطرية إلى جزر طائفية ومذهبية وعرقية متصارعة إلى حد التناحر.
   لا شك أن مثل هذه الزراعات الأيديولوجية خلفت نبَتا مشوها ومدمرا في كثير من البلدان العربية، وأنتجت جزء من أمة عربية عنصرية وصريحة في عدائها للأطروحة القومية، وجزء آخرا مناصرا لها ولكنه في واقع الأمر لا يشعر بها ولا يدري ما هي استحقاقاتها والأهم من كل ذلك أنه فاقد لأي نمط حضاري في معايشتها كونه ولد وعاش ونشأ في بيئة قطرية منغلقة على الأقل وذات حدود ضيقة.
    فالفرد العربي في أية دولة عربية يعتبر عمله، مثلا، في دولة أخرى غربة قاسية اضطر إلى تحمل مشاقها بسبب الحاجة الاقتصادية، وفي واقع الأمر نحن بصدد فرد لا يطيق مجرد الانتقال للعمل في بلد مجاور أو حتى في مدينة تبعد عن مسقط رأسه مسافة مائة كم، فهل من الممكن أن يصدق المرء أن ذات الفرد قادر على بناء وطن عربي كبير، ناهيك عن العيش فيه، فيما هو عاجز عن مبارحة مقر سكنه؟! ولو قسنا المسألة في دول ذات مساحات شاسعة كتلك التي لم تشهد تقسيما استعماريا مثل الهند أو الصين أو روسيا أو حتى الولايات المتحدة لوجدنا أن أبناءها لا يتذمرون من الانتقال للعمل أو حتى العيش في أنحاء مختلفة من الوطن، بل أننا نجد موظفين يعملون في مناطق داخل بلدانهم تبعد مسافة ساعتين أو ثلاثة عن مقر سكناهم، وبعضهم ذو نزعة قارية في اختياره لمقر العمل أو الإقامة حيث تجده يعمل في قارة ويقيم في أخرى ويقضي إجازته في ثالثة وهكذا. فكيف يمكن الترويج لأطروحة قومية تتوسط بقاع الأرض وتمتد على مساحة تقدر بنحو 14مليون كيلومتر مربع وسط مئات الملايين من السكان؟ في حين لا يشعر الفرد العربي ولا يستسيغ القول بأن الفرق في الوطن الأميركي بين نيويورك ولوس أنجلوس لا يختلف كثيرا عن الفرق في الوطن العربي بين صنعاء ودمشق لولا أن للضرورة أحكام؟
 أما على المستوى التنظيمي للجماعات العلمانية فلو أخذنا التجربة الفلسطينية الأغنى عربيا لوجدنا أن المقاتلين الفلسطينيين على اختلاف انتماءاتهم الأيديولوجية في إطار منظمة التحرير الفلسطينية فضلوا التمثل والتميز برموز الكفاح الأممي مثل الجنرال الفيتنامي جياب وجيفارا وماوتسي تونغ وكاسترو وماركس ولينين على رموزهم الوطنية والإسلامية مثل جعفر الطيار وعبد الله بن رواحة وسعد بن أبي وقاص وطارق بن زياد وموسى بن نصير وقتيبة بن مسلم وصلاح الدين وخالد بن الوليد ومصعب بن عمير وحمزة ونور الدين زنكي وغيرهم، بل وأكثر من ذلك إذا عرفنا مثلا، وحتى هذه اللحظة، أنهم ليسوا بقادرين على تقبل الأطروحة الإسلامية كرصيد معرفي هائل يمكن أن يساهم على الأقل إن لم يوجه الكفاح ضد إسرائيل العلمانية والتي قامت ودافعت عن نفسها حتى اللحظة بمصطلحات توراتية. ولما يتعرضون لنقاشات مثلا عن قضيتهم مع أفراد إسلاميين ينتمون إلى حماس أو الجهاد أو أية جهة إسلامية أخرى (فردا أو جماعة)، حتى لو كانت غير منتمية، تجدهم في قمة الشعور بالاستفزاز بحيث يجيبون بعصبية تصل إلى حد الإهانة والسخرية وبما يشبه التنكر والإنكار: أين كان هؤلاء لما كنا نواجه إسرائيل وحدنا؟ ولماذا قاتلوا بأفغانستان؟ أليست فلسطين أقرب لهم؟ ولعلهم محقين فيما يعتقدون بما أن الأيديولوجيا القطرية التي يحملونها تعودت أن تتسع لأيديولوجيا صديقة قادمة من الصين أو موسكو أو فيتنام أو حتى الولايات المتحدة وتفاخر بها وتدافع عنها وتستميت في سبيلها ولكنها لا تتسع لشريك في الكفاح حتى لو كان من آل البيت، وأسوأ من ذلك أن البنية الذهنية والإدراكية والمعرفية والتصورية لهم لا يبدو، مهما حاولت من جهد، أن تستجيب في تطلعاتها وطموحاتها، في أحسن الأحوال، لأكثر من محيطها التنظيمي المنغلق[1]، فكيف ستستجيب لمحيط عربي أو إسلامي ناهيك عن العقيدة والدين وما يتطلبانه من عبور نحو العالم. ويستحضرنا في هذا السياق امتناع الدول الصديقة الكبرى عن الاقتراب من المواقف الفلسطينية والعربية ومناصرة قضاياهم لخشيتها من تقلب مواقفها وعدم اتضاح خياراتها وتقوقعها وانحسار طموحاتها في الدولة أو التنظيم أو القبيلة أو السلطة أو الامتياز وكأنها غنيمة العمر، فعلامَ تراهن دولة مثل الصين مثلا أخطأ أحد مسؤوليها في يوم ما عندما صرح بأن بلاده لن تعترف بإسرائيل حتى لو اعترف بها العالم أجمع!؟ 
     ولو عاينا الأطروحة الإسلامية بين شريحة من ذوي النزعة الجهادية العالمية فهل سيبدو الأمر مختلفا ومثيرا للانتباه؟ لنتابع القبس التالي:
         " …. عندما رأيت أفغانستان وقع في قلبي أن هذه الأرض هي التي نبحث عنها لإقامةدولة إسلامية … لأن فيها الجبال, والحدود المفتوح


المزيد


التالي