أمة في خطر 5

أيلول 22nd, 2008 كتبها د. أكرم حجازي نشر في , دراسات في السلفية الجهادية

أمة في خطر

صراع محموم بين القاعدة وحزب الله على كسب السنة

 (5)

إسلام أن لاين

د. أكرم حجازي

22/9/2008

 stop

 

    لا ريب أن أية مقاربة في العلاقة بين الجماعتين ستبدو ضربا من الخيال سواء على مستوى القيادة أو على مستوى القاعدة. فلا حزب الله مستعد لتقبل وفاق مع القاعدة التي ينظر لها كجماعة تكفيرية، ولا القاعدة على استعداد للتنازل قيد أنملة عما تعتبره راية عميّة. ومع أن الجماعتين تقعان على طرفي نقيض عقديا إلا أنهما تتصارعان، في منطقة حساسة، على كسب جمهور سني يبدو أقرب إلى حزب الله من قربه للقاعدة. وهذا يؤشر على معادلة قائمة تفيد بأن تقدم أحدهما يعني بالضرورة تراجع الآخر. وعليه فالسؤال المطروح هو: ما هي الآليات التي تستعملها القاعدة لفك الارتباط بين السنة وحزب الله بحيث يمكن لتيارات السلفية الجهادية أن تجد لها موطئ قدم راسخ في المنطقة؟

الجانب العقدي

    يلزم القول بداية أن القاعدة، على المستوى السني، ليست هي الجهة الوحيدة التي تعادي حزب الله. ويلزم القول أن التجربة أثبتت بالقطع أن فروع القاعدة أظهرت قدرا من التشدد، كما في الجزائر والعراق، أكثر مما أظهره التنظيم الأم. ففي العراق قدم أبو مصعب الزرقاوي تأصيلا شرعيا للمسألة الشيعية تفوق ما قدمته أية قوة أخرى سواء كانت شرعية أو جهادية أو وطنية عبر سلسلته الشهيرة: هل أتاك حديث الرافضة وكذا: وعاد أحفاد ابن العلقمي، وأعلن حربا على الطائفة، فكفر عوامها واستباح دماءهم. بل أن أبو عمر البغدادي أمير دولة العراق الإسلامية ذهب أبعد من ذلك حين أعلن حربا على إيران الشيعية لم يوقفها إلا مشروع الصحوات وحصارها للمشروع الجهادي. لكن هل كان هذا هو موقف قادة القاعدة؟

   الحقيقة أن حسابات التنظيم الأم بما في ذلك الموقف العقدي هي غير حسابات الفروع ومواقفها. فلا مواقف بن لادن ولا الظواهري ولا أي رمز من رموز القاعدة كفر عموم الشيعة. أما الزرقاوي فكان يحتج باستحالة التمييز بين المحارب وغير المحارب في الحالة العراقية. وبالتالي فتكفيره لعموم الطائفة ربما يكون بضغط الواقع وليس رغبة منه بمخالفة علماء السنة، وهو ما احتج به على فتوى أبي محمد المقدسي. هذا مع العلم أن بن لادن ترك للزرقاوي، بعد إلحاح في مراسلاتهما، حرية تقدير الموقف الميداني بشرط أن يعمل على تحييد الصراع مع الشيعة ما وسعه ذلك في هذه المرحلة على الأقل حيث الأولوية لقتال قوات الغزو الأمريكية وحلفائها.

  المهم أننا، وبخلاف موقف العامة من أنصار المجاهدين، لم نقع في خطابات القاعدة، على مستوى القيادة، على أية استعمالات لمصطلحات تطعن في حزب الله من نوع حزب اللات أو نصر اللات. بل أن القاعدة تصر على تجنب الدخول في معارك شرعية مع الطائفة الشيعية أو حتى مع إيران وحزب الله رغم أنها أكثر من يدرك حقائق المسألة الشيعية شرعيا وسياسيا وتاريخيا.

     في الخامس من شهر آب/ أغسطس 2008 نشرت مؤسسة السحاب كتابا لأحد منظري القاعدة الشيخ عطية الله بعنوان: حزب الله اللبناني والقضية الفلسطينية - رؤية كاشفة. وهو الكتاب الذي لاقى رواجا واسعا في وسائل الإعلام بالرغم من أنه لم يتطرق إلى الموقف العقدي من الشيعة الذي اعتبره من المسلمات التي لا تحاج إلى بيان. وفي الكتاب عبارة طريفة تستحق التوقف عندها حيث يقول الكاتب فيها: لست بصدد البحث عن حقيقة هذا الحزب وملّته، فهي عندنا معلومة مستيقنة لا تخفى، بل المقصود من الكتابة هو تجلية حقيقة هذا الحزب للناس بالطرق المنطقية والدلائل العقلية، التي تقنع المسلمين بخطره وفساده العظيم.

   لا شك أنها فقرة حاسمة وذات دلالة لمن أمعن في البحث والتقصي عن الأسباب التي تجعل من القاعدة تصر على تحييد الموقف الشرعي من خطاباتها تجاه الحزب ومن ورائه الطائفة برمتها. للوهلة الأولى يبدو اندفاع الزرقاوي في تكفير الشيعة قد أفسد على القاعدة خططها في التعامل مع الطائفة. لكنه من جهة أخرى دفع بالكثير من علماء السنة في البلدان الإسلامية إلى إصدار فتاوى شديدة ضد ما اعتبروه مشروعا صفويا يهدد الإسلام والمسلمين حتى أنهم أجازوا لأهل السنة في العراق الدفاع عن أنفسهم ورد اعتداءات الشيعة عليهم. ولا شك أن مثل هذه المواقف الصادرة عن أهل العلم تروق للقاعدة وتكفيها مؤونة الرد على خصومها الشرعيين.

   هكذا يبدو موقف القاعدة من الشيعة بالغ الحذر من جهة أنه لا يجوز، شرعيا، تكفير عوامهم، لذا فقد بدت حريصة على استعمال الوسائل العقلية ( سياسة، منطق، تاريخ، وقائع وأحداث … ) لإسقاط المراهنة السنية على حزب الله والطائفة الشيعية، إذ تمكنها هذه الطريقة من:

·  إحالة المسألة الشيعية إلى العلماء للاضطلاع بمهمة التصدي الشرعي للشيعة، مستفيدة من تأثيرهم على العامة أكثر مما تفعله

المزيد


مدخل إلى السلفية الجهادية ومشروعها الجهادي 1

نيسان 27th, 2008 كتبها د. أكرم حجازي نشر في , دراسات في السلفية الجهادية

مدخل إلى السلفية الجهادية ومشروعها الجهادي
(نموذج العراق)
(1)
المعهد العربي للبحوث والدراسات الاستراتيجية
عمان - الأردن
11/2/2008
د. أكرم حجازي / كاتب وأستاذ جامعي
 
 
مقدمة
 منذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر التي استهدفت بعض رموز القوة في الولايات المتحدة وما بعدها برزت ظاهرة "السلفية الجهادية" كفاعل استراتيجي دولي مميز وفريد من نوعه سواء تعلق الأمر بالحدث السياسي أو بالحدث الأمني. فأنْ يستفيق العالم على أحداث بهذه الضخامة فهي مسألة في غاية الإثارة، لكن أن يتحسب لوقوع أحداث مماثلة في المستقبل فهي مسألة تبعث على الدهشة حقا، وتستوجب التوقف عندها. إذ أن الإشكال المطروح هنا يتعلق في الأهداف والطموحات التي تسعى السلفية الجهادية إلى تحقيقها، وما إذا كان ممكنا وقف هذا الاندفاع والتحدي الذي تشكله الظاهرة.
   فالظاهرة، شئنا أم أبينا، وفي ضوء عروضها العسكرية والأمنية النوعية على المسرح الدولي، باغتت في فعالياتها ومساعيها كل من السياسي والديني والاجتماعي والثقافي والعلمي والمعرفي وحتى الحضاري قبل أن يستشعر أحد بجدية المخاطر التي تخلفها في بنية التنظيم الدولي والعلاقات الدولية. وفقط بعد فوات الأوان تفطنت الولايات المتحدة، كخصم، إلى جدية الظاهرة فأعلنت حربا عليها عبر ما تسميه "مكافحة الإرهاب العالمي" وجندت تحالفا دوليا لتحقيق الغرض، لكن هذه الحرب أثارت الكثير من التساؤلات إذا ما أعيد النظر، على الأقل، في التصريحات الأمريكية إن لم نقل في السياسات خاصة فيما يتعلق بمفهوم "الفوضى الخلاقة". ذلك أن المفهوم يحيل البعض إلى الاعتقاد بوجود توجهات أمريكية تقضي بغض الطرف عن نمو السلفية الجهادية وغيرها من الظواهر التي من شأنها إشاعة فوضى يمكن السيطرة عليها من جهة وتوظيفها كآليات وأدوات تسمح بالمزيد من التدخلات الأمريكية من جهة أخرى. بل أن هذا البعض يغالي أكثر في الاعتقاد بأن السلفية الجهادية ليست أكثر من علامة تجارية أمريكية مسجلة في حظائر وكالات الاستخبارات الأمريكية[1].
    وفي الواقع فإن المسألة مختلفة، إذ يصعب تقبل الأحداث الراهنة وتطورات الظاهرة وخطابها بموجب معايير أيديولوجية أو حزبية أو تنظيمية خصيمة لها أكثر من الولايات المتحدة نفسها ووفق حسابات خاصة تناست بموجبها تصريحات أمريكية وغربية من قمة الهرم السياسي إلى أدناه وهي تتحدث عن حرب صليبية ضد الإسلام والمسلمين واعتبار الإسلام هو العدو القادم للغرب بعد انهيار الاتحاد السوفياتي. فالمنطق يؤكد أن العناصر المكونة للظاهرة كعالميتها فضلا عن المرجعية الدينية التي تتحصن بها كافية لِأنْ تقف سدا منيعا أمام أية تأويلات غير موضوعية. وبالتالي فنبذ الظاهرة أو إنكارها والاستخفاف بها، كما هو شائع لدى السياسي والأمني وحتى الديني والتنظيمي، لن يجدي نفعا في فهمها. وعليه فالسؤال الذي نطرحه هو: لماذا نجحت الظاهرة في تحقيق انتشار أفقي؟ وتهديد حتى حصون الجماعات الإسلامية والسياسية الأخرى؟ ولماذا فشلت المقاربات السياسية والأمنية والأيديولوجية في التعامل معها حتى اللحظة؟ وبصيغة أخرى: كيف وصلت السلفية الجهادية إلى نقطة اللاعودة وتحولت إلى ظاهرة لا يمكن أن تتلاشى أو تزول فاعليتها قبل أن تصل إلى مدياتها النهائية؟
    بداية نشير إلى أننا سنتعرض بالبحث إلى معالجة أربعة محاور أساسية هي:  
 المحور الأول: حاضر السلفية الجهادية
المحور الثاني: السلفية الجهادية والجماعات الأخرى
 المحور الثالث: المجاميع الجهادية الكبرى في العراق
 المحور الرابع: السلفية الجهادية ودولة العراق الإسلامية
 وأخيرا: تعقيبات ختامية على المقالة السلفية
     لكن قبل الخوض في بعض تفاصيل الظاهرة عبر المحاور أعلاه، نرى من الأهمية بمكان تثبيت بعض الملاحظات المنهجية التي تساعد في قراءة الظاهرة من الداخل. إذ أن الدراسة موضع النظر تعتقد أنه ما من جدوى في فهم الظاهرة خارج المقاربة الدينية، مما يعني ضرورة الابتعاد عن أية مقاربات تقليدية سواء كانت سياسية أو أيديولوجية أو أمنية … إلخ 
ملاحظات منهجية في فهم الظاهرة
أولا: وحدة لغة السلفية الجهادية
   من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن التحدث بلغة السلفية الجهادية لا يعني أبدا قبول أطروحاتها أو رفضها بقدر ما هي وسيلة ناجعة لفهمها وتفسير خطاباتها والوقوف على استراتيجياتها وسياساتها بالمضمون الذي هي تريده وتسعى إلى التعبير عن نفسها به[2]. فمن العبث قراءة الأطروحة السلفية إعلاميا أو أيديولوجيا أو أمنيا أو سياسيا أو حتى تنظيميا، ذلك أن السلفية تيار متشعب ومعقد لكنه ليس تنظيما وإن بدت أدواته الضاربة كذلك في مواضع شتى. فهو يضم رموز وقادة وعلماء وأنصار ومجاهدين، وكل هؤلاء ومن يدور في فلكهم ينطقون بلغة واحدة هي لغة التوحيد التي يقدمون أنفسهم بها أينما كانوا.
ثانيا: توصيف الظاهرة
   قد يبدو توصيف ظاهرة السلفية الجهادية سهل المنال وهو في الحقيقة مظهر خادع ليس الوصول إليه متاحا بالنظر إلى سرية الفاعلين واختلاف البناء الهيكلي للأدوات التي تشكل الظاهرة كالتنظيم الأم والأدوات الضاربة لها في شتى أنحاء العالم مقارنة بالأبنية التقليدية التي ألفناها من الجماعات الجهادية المسلحة. فما من باحث استطاع بمفرده التصدي للظاهرة بالبحث إلا في مستويات محدودة أبرزها الخطاب الذي تبوح به. لذا يصعب الحصول على دراسات نجحت في تتبع الظاهرة بمختلف مكوناتها. بل أن الباحثين يعزفون عن التصدي للظاهرة لأسباب عديدة ليس التعقيد الشديد والغموض الذي يميزها أو السرية أو التحرج أو الحساسية إلا بعض منها. وفي المحصلة لدينا فقر مدقع في الرصيد المعرفي عن الظاهرة.
   هذا لا يعني أن السلفية لا تتمتع بإنتاج معرفي هائل تفوقت فيه، كما ونوعا، على ما سبقها من الجماعات السياسية، وهنا بالذات تكمن المشكلة. فمن ذا الذي يمكنه أن يتفرغ للإحاطة بالظاهرة بحيث يكون ملزما، علميا وأدبيا، بمطالعة ملايين الصفحات من المنشورات التي تعج بها الشبكات الإعلامية الجهادية ومئات الساعات من الأشرطة المرئية والصوتية وآلاف المجلدات من الكتب والأبحاث؟ لهذا من الواجب بداية التأكيد على (1) أننا في سياق البحث العلمي ما زلنا في المراحل الأولى من توصيف الظاهرة والتي نحسب أنها لن تنتهي قريبا و (2) أن التوصيف ينصب على الخطاب الفكري للظاهرة فقط. وهذا يعني أيضا أننا أبعد ما نكون، علميا، عن تناول الظاهرة بالتحليل العميق والنقد الموضوعي.
ثالثا: مرجعية التوصيف
  لعل أكثر الأخطاء الشائعة في توصيف ظاهرة السلفية الجهادية أو التعليق على خطاباتها أو رصد سياساتها واستراتيجياتها العسكرية والأمنية والإعلامية هي تلك التي ينطلق أصحابها في قراءة الحدث، لا شعوريا، من مكونات الواقع السياسي أو الأيديولوجي الذي يعيشونه. والواقع أن السلفية الجهادية ربما تكون الجماعة الإسلامية الدينية الوحيدة التي ظهرت في عالمنا هذا منذ تقسيم الوطن العربي وانهيار الخلافة العثمانية. وهذا معطى حاسم يؤدي إلى:
1)      النظر إلى الجماعات الإسلامية، بما فيها الجهادية، على أنها جماعات سياسية وطنية ذات طابع إسلامي لكنها بالتأكيد ليست جماعات دينية خالصة كما هي السلفية الجهادية، وبالتالي فهي تعمل في إطار المنظومات القانونية والسياسية المحلية والدولية السائدة بخلاف السلفية الجهادية التي لا تقبل بغير حاكمية الشريعة كمعيار لفهم اختياراتها والحكم على توجهاتها السياسية. وهذه فرضية حاسمة لمن يرغب في التعرف على لغة السلفية الجهادية وأطروحاتها.
2)      تأسيسا على ما سبق وجب التخلي، موضوعيا، عن معايير التوصيف التقليدية التي اتبعت في دراسة الجماعات السياسية السابقة عليها سواء كانت علمانية أو إسلامية. أما لماذا يتوجب علينا الالتزام بهذه الخطوة المنهجية الحاسمة فلأن استعمال مصطلحات وضعية في تحليل خطاب يستند إلى السياسة الشرعية سيؤدي قطعا إلى نتائج خاطئة[3].
رابعا: لغة التوصيف
   إذن لغة الخطاب السلفي الجهادي صعبة التوصيف وليست سهلة كما يعتقد البعض. ولهذا السبب، أكثر من
 غيره، يحجم الباحثون عن الخوض في الظاهرة. أما الصعوبة فتكمن في عدة أسباب:
1)    إن لغة الخطاب السلفي هي لغة العلم الشرعي التي لا يقوى على فهم شروطها وتفاصيلها إلا من يمتلك قدرا معقولا منه. وهذا يعني، مبدئيا، أن الخطاب السلفي يخاطب النخبة والمتخصصين أكثر مما يخاطب العامة. وحتى انتقادات رموز الجهاد العالمي تتوجه نحو النخبة من المشايخ والعلماء والقادة وليس نحو الأتباع والعامة من الناس الذين يستقبلون من السلفية خطابا تحريضيا.
2)    غزارة الإنتاج المعرفي للسلفية وأنصارها عبر عديد المؤسسات الإعلامية والشبكات الجهادية، وبالتالي ثمة صعوبة فائقة في متابعة الأحداث والمواقف التي غالبا ما تصيغها هذه المؤسسات قبل أن يعبِّر الرموز عن مواقفهم تجاهها.
      لذا من المهم التنبه إلى اللغة السائدة في وسائل الإعلام الجهادي بوصفها مخزنا للمعلومات والآراء والأفكار المؤيدة والمعارضة، ومصدر الأخبار الرئيسي فيما يتعلق بالتيار الجهادي، ولا نبالغ إذا قلنا أنها باتت سيفا ذو حدين، فهي من جهة تعبر عن السَّمت الحقيقي لتوجهات الرموز وسياسات التيار في مختلف مناطق تواجده، ومن جهة أخرى لها من القوة بحيث تقيد الرموز وتدفعهم نحو الصراحة في القول والحسم في القضايا الخلافية. والأكيد أن المتابع لهذه الوسائل سيحتاج إلى فترة طويلة وجهود مضنية كي يفهم آلية عملها وطرق التعامل مع روادها وكتابها ومشايخها وما يدور فيها وإلا فقد يتعرض للطرد من رحابها إذا ما خالف توجهاتها أو شروط الكتابة فيها.
 
المحور الأول: حاضر السلفية الجهادية   
أولا: هوية السلفية الجهادية والأس العقدي للظاهرة
استقر مصطلح السلفية الجهادية في وسائل الإعلام ليعبر عن تيار جهادي ذو صبغة عالمية[4]، لكنه في عرف أصحاب التيار لا يكفي لبلوغ المعنى الدقيق له فضلا عن أن ترويجه ينطوي على حصر للتيار في أطر ضيقة. فالوهابية مثلا تمثل أحد المصادر الشرعية والتاريخية للفكر الجهادي العالمي لكنها ليست المصدر الوحيد، وتبعا لذلك ليست السلفية الوهابية الجهادية هي التيار الجهادي العالمي ولا هي المخولة بالتحدث باسمه، كما أن التيار الجهادي أوسع، في مرجعياته ومكوناته، من أية مرجعية منفصلة. والحقيقة أن التصاق تعبير السلفية بالتيار الجهادي العالمي يمكن رده إلى عدة أسباب منها:
·       كثرة منتسبيه من الجزيرة العربية وخاصة من السعودية إثر دخول الدولة على خط الجهاد الأفغاني الأول ودعمها لعديد القوى المنخرطة فيه وتوفير الغطاء المادي والإعلامي له وحتى الشرعي[5].
·       تبني الكثير من علماء السعودية للمشروع الجهادي ممن ذاع صيتهم في الأوساط الجهادية والإعلامية.
والحقيقة أناهتمام الجهاديين بالوهابية (دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب) والتركيز على تراثها برز بشكل لافت عقب أحداث سبتمبر وما تبعها من دخول شيوخ نجديين على الخط الجهادي ممن كان لهؤلاء اهتمام بالغ وكبير بتراث أئمة الدعوة النجدية خاصة علي الخضير وأحمد الخالدي حيث تعج مؤلفاتهما بكثرة الإحالات (إلى) والنقل (عن) تراث أئمة الدعوة مما ينبئ عن استظهارهما لتلك الرسائل.
·        الاسترشاد بالدعوة السلفية الوهابية كمنهج علمي وعملي، والنظر إلى كتاب التوحيد لمحمد بن عبد الوهاب كأحد المراجع الرئيسية للتيار الجهادي العالمي ومن بعده رسائلأئمة الدعوة النجدية خاصة الدرر السنية. فبعد الجهاد الأفغاني أضحى التراث الوهابي مصدرا رئيسيا أضيف إلى مصادر التراث المعرفي الجهادي ممثلا بفتاوى ابن تيمية وتلاميذه وسيد قطب ومحمد قطب وعبد الله عزام.
·        انقسام السلفية الوهابية إلى سلفية تقليدية وأخرى جهادية الأمر الذي سمح باستخدام المصطلح بهدف التمييز بين التيارين. فـ"السلفية الجهادية" كمصطلح لا يعني بأي شكل من الأشكال وجود سلفية بلا جهاد لاسيما وأن التيار الجهادي كغيره من التيارات الإسلامية يرى في القرون الثلاثة الأولى من الإسلام هي خير القرون دعوة وجهادا وحضارة، وبالتالي فالسلفية تعبير أصيل، لكن المصطلح استخدم بهدف التميّز عن أولئك الذين صنفوا أنفسهم من أهل السلف إلا أنهم، وبلغة سايكس – بيكو كما تقول السلفية الجهادية، همشوا الجهاد أو منعوه بدعوى الضعف والعجز فكان لزاماً علينا التفريق بين سلفية تركز على الجهاد وتدعو له بصورة عالمية وأخرى تهمشه أو تمنعه وفي أحايين أخرى تحاربه.
    لكل هذه الأسباب وغيرها استعمل المصطلح للدلالة على التيار الجهادي العالمي، إلا أننا لم نقع على قبول فعلي للمصطلح من قبل رموز التيار حتى تلك التي تستعمله إعلاميا. وفي المقابل لا يبدو على هذه الرموز رفضا للمصطلح بقدر ما تحر

المزيد


مدخل إلى السلفية الجهادية ومشروعها الجهادي - 5 والأخيرة

نيسان 27th, 2008 كتبها د. أكرم حجازي نشر في , دراسات في السلفية الجهادية

مدخل إلى السلفية الجهادية ومشروعها الجهادي
(نموذج العراق)
(5 والأخيرة)
المعهد العربي للبحوث والدراسات الإستراتيجية
عمان- الأردن
11/2/2008
 
قائمة المصادر والمراجع
 
· القرآن الكريم
-    سورة الحج : 27.
-    سورة التوبة : 46.
· مصادر وثائقية
ثانيا: الأشرطة المرئية والصوتية
1)        أبو حمزة المهاجر، "قل موتوا بغيظكم"، شريط صوتي، مؤسسة الفرقان، 5/5/2007.
2)        أبو عمر البغدادي، "قل إني على بينة من ربي"، شريط صوتي، مؤسسة الفرقان، 13/3/2007.
3)        أبو عمر البغدادي، "حصاد السنين بدولة الموحدين"، شريط صوتي، مؤسسة الفرقان، 17/4/2007.
4)        أبو مصعب الزرقاوي، "هذا بلاغ للناس"، شريط مرئي، الهيئة الإعلامية لمجلس شورى المجاهدين، 25/4/2006.
5)        الشيخ أسامة بن لادن، "السبيل لإحباط المؤامرات"، شريط صوتي، مؤسسة السحاب، بتاريخ 29/12/2007.
6)        الشيخ أسامة بن لادن، "رسالة إلى أهل العراق"، شريط صوتي، مؤسسة السحاب، بتاريخ 23/10/2007.
7)        د. أيمن الظواهري، "رسالة إلى شعب باكستان"، شريط مرئي، مؤسسة السحاب، 28/4/2006.
8)         د. أيمن الظواهري، "لقاء السحاب الرابع"، شريط مرئي، مؤسسة السحاب، 17/12/2007.
9)         شريط مرئي مدته أقل من دقيقتين عن "أنصار المجاهدين" يعرِّف بجماعة جهادية في جزر المالديف على وشك الظهور، 17/11/2007.
ثانيا: البيانات الرسمية
10) أنصار السنة – الهيئة الشرعية، الشيخ عبد الوهاب بن محمد السلطان بعنوان: "بيان صادر عن الهيئة الشرعية لجماعة أنصار السنة"، 21ربيع الأول 1428.
11) الجيش الإسلامي: "قناة العربية تساهم في لملمة شعث أمريكا في محاولات يائسة20/1/2008.
12)   جيش أنصار السنة:
     - رسالة من قيادة جماعة أنصار السنة إلى جبهة الجهاد والإصلاح، مركز الفجر للإعلام، 3/5/2007.
     - بيان من ديوان الشَرع والقضاء لجماعة أنصار السُنة حولَ كَذِب بيان ما يُسمى بـ(الهيئة الشرعية)، مركز الفجر للإعلام، 5/8/2007.
13)   جيش المجاهدين:
-    توضيحات، المكتب الإعلامي لجيش المجاهدين، 6 محرم 1429هـ، ردا على مقالة كتبها محمد بن زيد المهاجر (أبو أسامة) بعنوان: "جيش المجاهدين بين سير الخالدين واستدراج الماكرين"،ونشرتها الشبكات الجهادية بتاريخ 7/1/2008.
-    الهيئة الشرعية لجماعة جيش المجاهدين، دراستان صدرتا بعنوان:"من يغسل العار عن العشيرة؟"، 14/10/1428،و"الجواب الكافي لمن نوى الهدنة مع العدو ظاهرا أو خافي- وصفة الصياد20/10/2007.
14) كتائب العشرين- المكتب الإعلامي: "كتائب ثورة العشرين: بيان الرد على تخرصات حماس – العراق"، ‏1/1/2008، موقع الكتائب على الشبكة: http://kataeb-20.com/main/news.php?action=list&cat_id=102
15) مؤسسة السحاب الذراع الإعلامية للقاعدة، رد على قناة الجزيرة بخصوص خطاب الشيخ أسامة بن لادن: "أهل العراق"، مركز الفجر للإعلام، 23/10/2007.
16)هيئة علماء السنة، "رسالة مفتوحة إلى أبنائنا وإخوانناالمجاهدين، الصابرين المرابطين على أرض العراق"، 5/9/2007. موقع الهيئة على الشبكة: http://www.iraq-amsi.org/index.php.
ثالثا: اللقاءات والحوارات
17) د. إبراهيم الشمري المتحدث الرسمي باسم الجيش الإسلامي، (مقابلة مع الجزيرة)، 18/9/2007،على مدونة مراسل القناة ياسر أبو هلالة: http://abuhilaleh.maktoobblog.com
18)    أبو عزام التميمي، قناة العربية، برنامج صناعة الموت، 18/1/2008.
19)   الشيخ أبو محمد المقدسي: حوار مع مندوب مجلة العصر الإلكترونية وصحيفة المرآة، 1423هـ، وبحسب منبر التوحيد والجهاد فقد "نشر أجزاء من هذا الحوار في مجلة المرآة في الأردن ونشر في مجلة العصر الإلكترونية ثم سحب بعد دقائق!!". على الشبكة:
http://www.tawhed.ws/r?i=83&a=p&PHPSESSID=6e7cd3991ebce2b89175bbbacb81ca16

المزيد


مدخل إلى السلفية الجهادية ومشروعها الجهادي 4

نيسان 27th, 2008 كتبها د. أكرم حجازي نشر في , دراسات في السلفية الجهادية

مدخل إلى السلفية الجهادية ومشروعها الجهادي
(نموذج العراق)
(4)
المعهد العربي للبحوث والدراسات الإستراتيجية
عمان- الأردن
11/2/2008
 
تعقيبات ختامية على المقالة السلفية
 
أولا: المجاميع الجهادية في العراق
    لا شك أن أكثر التحالفات بين المجاميع الجهادية في العراق إثارة للجدل هي تلك المتعلقة بجبهة الجهاد والإصلاح وبالمجلس السياسي للمقاومة. ولا شك أن أكثر القوى تأييدا لهذه التحالفات هم الإخوان المسلمين بينما أكثرها مناهضة لها هي تيارات السلفية الجهادية. والسؤال هو: إذا كان من الممكن تفهم التحالفات القائمة في جبهة الإصلاح؛ فما الذي يجمع بين الجبهة وحماس العراق وجامع في إطار المجلس السياسي؟
   إذا استبعدنا، كعامل مشترك، بين أعضاء المجلس السياسي كل من: (1) الفكر السلفي الجهادي بصيغة القاعدة أو دولة العراق الإسلامية وأنصار الإسلام وعصائب العراق؛ و (2) جبهة الجهاد والتغيير ومرجعيتها الشرعية هيئة علماء المسلمين باعتبارها (الهيئة) تمثل أحد مرجعيات السنة وليست المرجعية الوحيدة بحسب جماعات أخرى[1]؛ و (3) المشروع السياسي الأمريكي الذي تمثله حكومة المالكي ومعها جبهة التوافق السنية؛ فماذا يتبقى للمجلس من هدف، في أحسن الأحوال، غير الاستئثار بورقة التمثيل السياسي للمقاومة؟ لا شيء. لكن هنا يلزم القول:
·        إن البيان الأول للمجلس السياسي للمقاومة، وهو يطرح فكرة حكومة التكنوقراط كمخرج من الأزمة وحل انتقالي، أغفل أي ذكر للفكر السلفي في قراءاته المختلفة، بل أنه لم يأت على ذكر الإسلام إلا مقرونا بتاريخ العراق، بينما استعمل تعبيرات وطنية كما لو أنه صادر عن حزب علماني: "المقاومة المسلحة، التاريخ، الحضارة، التحرير، القوى والهيئات والشخصيات، الممثل الشرعي حكومة منالمهنيين، أعمال المجاهدين، أساس عادل، شرعية، دستور، نظام حكم، قانون، وحدة العراق، ثروات، مُلْك، الطائفي، خصوصية المسألة الكردية، العرب والمسلمين وشعوب العالم والمجتمع الدولي …"، وفي المقابل غابت تعبيرات الجهاد والحاكمية والدولة الإسلامية … إلخ
·        كل التعبيرات أعلاه خالفت بالكامل الفلسفة المعلنة لجبهة الجهاد والإصلاح، وخالفت حتى لغتها الشرعية ومناهج تربيتها لأعضائها. والغريب أن الجيش الإسلامي لم يصدر أي بيان تفسيري يوضح مقاصده، ليس فقط من التحالف مع "حماس وجامع"، بل من تلك التعابير الجديدة التي استعملت في بيان التأسيس وخاصة الدعوة إلى تشكيل حكومة تكنوقراط، ومن فلسفته الجهادية ما إذا كانت مقاومة؟ أم جهاد؟ ومن أهدافه النهائية من جهاده إنْ كان دولة وطنية على شاكلة العراق السابق؟ أم دولة إسلامية تحكم بالشريعة ولو داخل العراق وحده؟
·        أما عن ردود الفعل على البيان السياسي فلم تكن تستهدف "حماس أو جامع" بقدر ما استهدفت جبهة الجهاد والإصلاح وخاصة الجيش الإسلامي، فمن المعروف أن الجيش عرض شروطه لبدء مفاوضات سياسية مع الولايات المتحدة لتحقيق الانسحاب من العراق، لكن عروضه السابقة، حتى لو كانت وطنية الطابع، تبقى ضمن الإطار الجهادي وليس العلماني، وهذا يحيلنا إلى الاعتقاد بأن خصومته مع القاعدة هي خصومة ذات أهداف سياسية بالدرجة الأساس وليست شرعية خاصة فيما يتعلق بموقفه من إعلان دولة العراق الإسلامية.
   أما فيما يتعلق بجيش المجاهدين فمن الصعب الوقوع على تبرير منطقي لمساهمته في تشكيل جبهة وقفت من التيار السلفي موقف الضد؟ ثم ما الذي يدفعه قدما إلى التحالف مع المجلس السياسي بحيث يفقد ما تبقى له من رصيد سلفي في ضوء الشبهات المثارة حول الدور الذي تلعبه "حماس وجامع" ومن ورائهما الحزب الإسلامي في تشكيل الصحوات ومقاتلة القاعدة؟
· فالثابت أن جيش المجاهدين سلفي التوجه، وتطلعاته لمستقبل العراق من المفترض ألاّ تقِلّ عن تمني إقامة دولة إسلامية فيه.
· والثابت الثاني أيضا أنه رغم خصومته مع دولة العراق الإسلامية إلا أنه امتنع عن المشاركة في حملات
التشهير التي قادها الحزب والجيش الإسلاميين. بل أنه، رغم تحفظاته على ما يعتبرها أخطاء ساهمت في تراجع الجهاد، إلا: "أن القاعدة أحدثت نكاية عظيمة في أعداء الله … وأن أفراد القاعدة في العراق ليسوا بدرجة واحدة في الغلو والإفراط والاستهانة بالدماء"[2].
· والثابت الثالث هو الذي يرى فيه أن: "إعانة الأمريكان لقتال القاعدة ولو بكلمة }هو{ كفر بواح وردّة وخروج عن الإسلام لا ينفع معه صلاة ولا صيام ولا جهاد"[3]. ولا شك أن هذه لغة جديدة وبالغة الصراحة وموقف تَقدَّم فيه على غيره مقتربا من مواقف التيار السلفي الجهادي.
· والثابت الرابع أن جيش المجاهدين: "لم ينبس ببنت شفة في مسألة ربط القاعدة بإيران" بخلاف الجيش الإسلامي الذي يتبنى هذه الأطروحة ويروج لها على نطاق واسع كجزء من سياسته المناهضة للقاعدة.
· والثابت الخامس أنه الجماعة الوحيدة التي أصدرت دراسة شرعية تؤصل لحرمة الدخول في مشاريع الصحوات العشائرية أو المشاركة فيها أو إعانة أي عدو على الجهاد والمجاهدين. ودراسة أخرى يرفض بها مهادنة العدو[4].
    هذه بعض ثوابت جيش المجاهدين التي ترقى إلى مستوى الحقائق، لكن المشكلة في كونها تتناقض مع تحالفاته وما يصدره من دراسات مؤصلة شرعيا تجاه بعض المسائل، الأمر الذي يحير معه الباحث في فهم سياسات الجيش وتوجهاته. ففيما يتصل بتحالفاته لا يرى الجيش غضاضة من وصف بعضها بـ "الفصائل المتلبسة ببعض البدع والأخطاء"، ويمضي لما هو أبعد من ذلك فيقول: "أما عن موضوع التحالف مع بعض الفصائل المتلبسة بما ننكره عليها فنقول وبكل وضوح: بأننا نختلف في مسائل كثيرة مع الجيش الإسلامي وحتى مع الهيئة الشرعية للأنصار، وخلافنا مع حماس وجامع أكبر، وانضمامنا إلى مجلس يضمهم لا يعني رضانا بكل ما يصنعون، ونحن نحاول جاهدين أن نوصل إليهم ما نعتقد أنه الحق". 
   أما ما هي طبيعة الخلافات التي يتحدث عنها جيش المجاهدين؟ ولماذا تتفاوت بين هذه الجماعة وتلك؟ وما هي تداعياتها على الجماعة من الداخل؟ فذلك ما لن يستطيع الجيش التفصيل به إعلاميا على الأقل في المرحلة الراهنة، لكن مجرد جهره بها يُعَدُّ مؤشرا على أنها بالغة الخطورة، وبطبيعة الحال لا نقول بأن هذه اللغة توحي وكأن جيش المجاهدين بصدد الانسحاب من تحالفاته، مع أننا لا نستبعد ذلك في أي حين، لكننا نتساءل: فقد يكون مفهوما أن يعمد الجيش الإسلامي إلى تنفيذ مشروعه السياسي المنادي بحكومة تكنوقراط منذ الإعلان عن دولة العراق الإسلامية، ويبحث له عن حلفاء يساندونه في مساعيه، إلا أن ما قدمه جيش المجاهدين، صاحب اللغة الشرعية، من مبررات لدخول المجلس السياسي والمشاركة في صياغة بيان يخلو من أية لغة شرعية والأخذ بـ "بفقه الاستضعاف" ليست كافية ولا مقنعة خاصة وأن هناك جماعات أخرى تخوض حربا طاحنة ضد الأمريكيين والصحوات والقوى الحكومية والطائفية والعملاء في آن واحد دون أن تشر من قريب أو بعيد إلى مرحلة استضعاف. وفي هذا السياق نستحضر حدثين مهمين في جبهة الجهاد والإصلاح هما:
1)     انشقاق جيش الفرقان عن الجيش الإسلامي (18/7/2007) بحجة (أ): "استعجال قطف الثمرة … (فـ) لا يصح أن نزج بمشروع الجهاد قبل نضجه واستكمال مراحله في تجارب تحتمل الخطأ والصواب" و (ب): "انحراف البعض عن المنهج النبوي: فأخذوا الناس بالشدة والغلظة وعدم الرفق والحلم والتدرج وعدم مراعاة منازل الناس فأدى إلى نفور الكثيرين مما جعلهم فريسة لمخططات أعداء الدين"، وعليه "نعلن انفصالنا من الجيش الإسلاميردهم الله إلى الحق والصواب ونتبرأ من كل ما خالف شريعة الرحمن".
2)     انسحاب جيش الفاتحين (6/1/2008) بعد: " تبين لنا أن هذا المشروع }جبهة الجهاد والإصلاح {لن  يحقق لنا هدفنا المنشود بسبب ما وجدنا من اختلاف بين الواقع في الساحة الجهادية وبين ما تم الاتفاق عليه من منهج وثوابت في الجبهة. ثم بينا الخلل وحاولنا الإصلاح جاهدين ولكنا وجدنا نفورا وتعاليا من الآخرين".
   الأكيد أن جيش المجاهدين أعرق وأكثر خبرة، وتاريخه وعقيدته وسمعته توجب عليه تقديم تفسيرات مقنعة لتحالفاته، وإلا فإن الحدثين أعلاه قد يوحيان بأن تحالفاته ربما تكون أوقعته في ورطة لم تكن في حسبانه خاصة وأنه لم يجن شيء يذكر من تحالفاته غير اللوم والأذى.
بقي موضوع جيش أنصار السنة التي استعادت الاسم القديم لها مؤخرا "جماعة أنصار الإسلام". فقد كان بينها والجيش الإسلامي محاولات سابقة للوحدة (2004) فشلت على خلفية: (1) الدخول في العملية السياسية إذا اقتضىالأمر أو (2) في سلك الجيش والشرطة بحجة توفير الحماية لأهل السنةفيمناطقهم أو (3) تعيين بعض الأفراد من أجل حماية أنابيب النفط والطاقة الكهربائية لتمويل العمل الجهادي أو حتى (4) بعض السياسات التي تخص الخارجية والإعلام. لكن الخلافات تفجرت بين الجماعة وجبهة الجهاد والإصلاح على خلفية تشكيل هذه الأخيرة وضمها اثنين من "ديوان القضاء والشرع" باسم "الهيئة الشرعية – أنصار السنة" التي قيل أنها أسست "كتائب" مسلحة لها[5]. وبطبيعة الحال فقد أعقب التشكيل احتجاجات شديدة من الأنصار بسبب ما بدا وكأنه تعدٍّ على الهيكلية التنظيمية للجماعة التي ظهرت وكأنها تعرضت لانشقاق في صفوفها. إلا أن الجبهة لم ترد رسميا على بيانات الجماعة، ولما ووجه د. علي النعيمي المتحدث الرسمي باسم الجيش الإسلامي بالسؤال عن "قصة أنصار السنة" أشار إلى أن الهيئة انسحبت برمتها من الأنصار ولحق بها أكثر من ألفي عنصر في تحالف مع الجبهة[6]. ومن جهته أشار جيش المجاهدين إلى أن المشكلة نجمت عن تملصأبي عبد الله الشافعي أمير الأنصار من محاولات إحياء مشروع التوحد بعد أن وافق عليه مما اضطر الرجلين إلى الانفصال على وقع "التزامات قطعوها على أنفسهم أمام المشايخ استشاروا إخوتهم في الداخل والخارج واقتنعوا بمسألة الانفصال تحت هذا المسمى"[7]. لكن كلا التبريرين يعكسان بيان عضوي ديوان القضاء والشرع[8] اللذين انفصلا عن الجماعة، وحجة الأنصار أن الجماعة تسمي مؤسساتها مبتدئة بلفظة "ديوان" وبالتالي ل

المزيد


مدخل إلى السلفية الجهادية ومشروعها الجهادي 3

نيسان 26th, 2008 كتبها د. أكرم حجازي نشر في , دراسات في السلفية الجهادية

مدخل إلى السلفية الجهادية ومشروعها الجهادي
(نموذج العراق)
(3)
المعهد العربي للبحوث والدراسات الإستراتيجية
عمان- الأردن
11/2/2008
 
 
المحور الرابع: السلفية الجهادية ودولة العراق الإسلامية
 
    لا شك أن مجاميع السلفية الجهادية في العراق أكثر من عصائب العراق وأنصار الإسلام ودولة العراقالإسلامية، لكنها الوحيدة من بين المجاميع الأخرى التي لم تنتظم لا في إطار جبهوي ولا اندماجي رغم أنها الأقدم في الساحة والأوضح من حيث المنهج والعقيدة والأقرب إلى بعضها والأكثر تنسيقا ميدانيا فيما بينها. وليست الاحتكاكات النادرة، في ظروف معينة، بقادرة على أن تحول دون هذا التوصيف. لكن من هي دولة العراق الإسلامية التي توصف بكونها الأشد بأسا وقوة بين الجماعات الأخرى؟
     بالنسبة للجماعات الجهادية في العراق فإن دولة العراق الإسلامية هي سليلة تنظيم القاعدة حتى لو اتخذت
 من الأسماء ما اتخذت ابتداء من جماعة "التوحيد والجهاد" التي أسسها أحمد فضيل نزال الخلايلة الشهير بـ "أبي مصعب الزرقاوي" وظهرت عقب سقوط بغداد مباشرة مرورا بـ "قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين" بعد مبايعة الزرقاوي لتنظيم قاعدة الجهاد بزعامة أسامة بن لادن (8/1/2004) و"مجلس شورى المجاهدين - أكتوبر/تشرين الأول2005"  وقبل الأخير "حلف المطيبين- 13/10/2006" وانتهاء بـ "دولة العراق الإسلامية - 15/10/2006" بزعامة أبو عمر البغدادي. وفيما يلي بعض التفصيل. 
أولا: توصيف مراحل نشأة دولة العراق الإسلامية
    لا شك أن الزرقاوي الذي أنشأ معسكر هيرات في أفغانستان وقاده، نسَج علاقات وثيقة جدا مع قادة القاعدة خاصة بعد هجمات 11 سبتمبر لما انضمت المجاميع الجهادية العربية تحت إمرة القاعدة، ولا شك أنه احتفظ بصلاته الوثيقة هذه سواء خلال الفترة القصيرة التي مكث فيها بإيران، أو بعد احتلال العراق. والأرجح أنه ما توجه إلى العراق إلا انتظارا لمقاتلة الأمريكيين، وهو ما كان له رفقة بضعة عشرات من أوائل المقاتلين العرب الذين رافقوه أو انضموا إليه، أما الشيخ أبو أنس الشامي، أعلمهم شرعيا، فكان ممن لحق بالزرقاوي، وممن لا تنقصهم الفطنة والمبادرة. وعمليا التحق بهم الكثير من العرب الذين كانوا قد تطوعوا في الحرب لمساندة العراق فضلا عمن التحق بهم من العرب والعراقيين لاحقا عبر الحدود، وتمكنت الجماعة الأولى، قبل أن تَتَسمّ بأي اسم أو تظهر أية جماعة مقاتلة على الساحة، من إشعال حرب شعواء هاجمت خلالها القوات الأمريكية والإيطالية والبولندية ودمرت مقر الأمم المتحدة. كان هذا في المرحلة الأولى قبل أن تتوالى طلائع الجماعات الجهادية العراقية بالظهور[1].
   في كتابه "الانتصار لأهل التوحيد" يعيد أبو حسين المهاجر الذي عاصر بعضا من تجربة القاعدة في العراق نشأة "التوحيد والجهاد" إلى أمرين حاسمين هما:
1)     اتساع حجم الجماعة ونشاطها العسكري مما دفع أبو أنس الشامي إلى وجوب العمل على أن يكون لها أمير يقودها ويسهر على شؤون الجهاد والمجاهدين. فاستقر الرأي على اختيار أبو مصعب الزرقاوي رغم تمنعه عنها.
2)     في المرحلة الثانية، استعرت الحرب، وتم تنفيذ سلسلة كبيرة من العمليات دون أن يعلن عنها أحد الأمر الذي أفسح المجال لبعض الجماعات، حتى لو كانت وهمية أو بهدف تحقيق مكاسب معينة، كي تتقدم وتتبنى: "بعضاً منـ}ها{زوراً وبهتاناًفما كان من أبي أنس الشامي إلا المبادرة من جديد ليصرّ: "على وضع اسم للجماعة، حفاظاً على ثمرة الجهاد* … فكان هذا الاسم جماعة التوحيد والجهاد"[2].
      وحتى ذلك الحين لم يكن هذا الوضع ليرضي الزرقاوي الذي قبَِل البيعة بصعوبة بحسب أبو حسين المهاجر، فكان لا بد له من أن يؤطر بيعته في إطار يضمن للجماعة تحقيق النصرة، عبر غطاء شرعي وتنظيمي، في بيئة تتعطش آنذاك لمن ينتصر لها، وكانت هذه هي المرحلة الثالثة التي أسفرت، بعد مراسلات متبادلة بينه وبين زعماء القاعدة (الظواهري وبن لادن) على مبايعة أسامة بن لادن الذي أعلن في شهر أكتوبر 2004 عنتأسيس "قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين" وتعيين أبو مصعب الزرقاوي أميرا لها لتبدأ صفحة جديدة من صفحات تاريخ السلفية الجهادية الحاسم على المستوى العربي والدولي.
  هكذا مكّن الإعلان عن تأسيس القاعدة الجماعات ذات التوجه السلفي من الاطمئنان إلى سلامة التوجه وقوته فانضمت، في البداية، مجاميع قوية من أنصار السنة في قاطع سلمان باك في ديالى[3] مما دفع قادة القاعدة إلى التفكير جديا بتوسيع الساحة الجهادية وتوحيدها، وبدأت مشاورات فعلية شملت كافة الجماعات لتحقيق وحدة مبكرة، وبات الحديث يدور عن مشروع جهادي وليس مجرد مصاولة للقوى المحتلة، لكن بعض القوى الكبرى، لاجتهادات خاصة بها، نأت بنفسها عن مشروع التوحد كالجيش الإسلامي وجيش المجاهدين الذي يصفه البعض بـ "الأخ غير الشقيق" لـ "التوحيد والجهاد"، وكذلك فعلت جماعة أنصار السنة التي أوصى الزرقاوي رفاقه بأن: "أحسنوا إليهم فهم إخوانناوعصائب العراق: " فإنهم قريبون منّا"[4].
    هذه هي المرحلة الرابعة التي أفرزت ولادة "مجلس شورى المجاهدين" والذي تخلى فيه الزرقاوي عن القيادة لصالح عبد الله رشيد البغدادي خاصة وأن القاعدة باتت عضوا في المجلس كسائر الأعضاء المنضوين تحت رايته، وفي البداية انضم له ستة جماعات ثم ارتفع العدد إلى ثمانية وفي مرحلة لاحقة وصل إلى اثنتي عشرة جماعة هي: "جيش الطائفة المنصورة، جيش أهل السنة والجماعة، جماعة جند الصحابة، سرايا الجهاد الإسلامي، سرايا فرسان التوحيد، سرايا ملة إبراهيم، كتائب كردستان، كتائب المرابطين، كتائب أنصار التوحيد، كتائب أنصار التوحيد والسنة، كتائب الأهوال، كتائب الغرباء (كان يقودها محارب عبدالله الجبوري)، بالإضافة إلى عدة كتائب من جيش الفاتحين ( الشائع انضمام أربع كتائب من أصل خمسة) والجيش الإسلامي (في عدة قواطع أبرزها قاطع الأنبار ومنطقة عرب الجبور) وأنصار السنة وبعض كتائب جيش المجاهدين وثورة العشرين وعصائب العراق الجهادية".
   لكن ما خططت له القاعدة في العراق كان أبعد من وحدة المجاهدين، وكما سبقت الإشارة فالحديث بدأ يدور عن مشروع جهادي. فبعد الخطاب المرئي الشهير للزرقاوي (25/4/2006) تسربت، لاحقا، مقتطفات منه لم يتضمنها وهو يحاور بعض مجالسيه حول إمكانية إعلان إمارة إسلامية في غضون ثلاثة أشهر. والحاصل أن هذا الخبر كان مقدمة لما عزمت عليه القاعدة، فقبل يومين بالضبط من "إعلان دولة العراق الإسلامية" أُعلن عن تشكيل "حلف المطيبين" حيث ظهر في الشريط المقتضب بضعة ملثمين قيل أنهم من قادة العشائر ومجلس الشورى يتعاهدون فيه على تحكيم الشريعة والانتصار للجهاد والمجاهدين في العراق. وكان الإعلان عن تأسيس الدولة تدشينا للمرحلة الخامسة من فعاليات جماعة التوحيد والجهاد وميلاد عهد الصراع السياسي وبعض الصدامات المسلحة بين القاعدة وبعض الجماعات الجهادية.
ثانيا: معنى الدولة وتداعيات الإعلان
1) ماهية الدولة المقترحة
   كمنطلق منهجي للفهم، سنقتصر على المنطقة العربية في توصيف ماهية "دولة التوحيد" التي سبق وأشرنا إليها باعتبارها الأس العقدي للظاهرة السلفية. وواقع الأمر أن العرب، غساسنة ومناذرة، كانوا قبل البعثة النبوية منقسمين في تحالفاتهم ما بين الروم والفرس، وبعيدا عن الفلسفة الراهنة في نشأة الدول ونموها يمكن القول أن العرب لم يعيشوا قط في رحاب إطار سياسي مستقل يعبر عن مصالحهم وقوميتهم لا قبل الإسلام ولا بعده، لكنهم، منذ البعثة، عاشوا في إطار إسلامي. بطبيعة الحال يستحيل القبول بمعايير الدولة الحديثة للتقرير فيما إذا كان هذا الإطار يعبر عن مواصفات الدولة الراهنة أم لا. فالإسلام أتى بنظام حكم لكنه لم يأت بنظام دولة كما هو الآن (أرض وشعب وسلطة)، وليس هذا نقيصة بما أن المسألة العقدية تتعلق بالدرجة الأساس بتحكيم الشريعة حيث يكون هناك تجمع إسلامي أيا كان نمط المعيش الذي يتخذه له، وليس بإقامة الدول أو تصنيف تفاضلي للقوميات والأعراق، بل أن الدولة الإسلامية لا يتوفر في قيامها لا شرط الشعب ولا شرط الأرض. فالمسلم هو من أهل الله والأرض لله والخليفة هو المكلف بتطبيق سلطان الله، وبالتالي فما من علاقة تذكر بين دولة التوحيد بالدولة الراهنة.
   اشتهر الإسلام بأنه دعوة وغزوة في آن واحد، وهذا يحيلنا إلى القول أن الإسلام كونه آخر الأديان فهو مكلَّف من تابعيه بتبليغ الرسالة وإقامة حكم الله في الأرض، لذا كانت هناك غزوات استهدفت التمكين للدين ومن ثم فتوحات استهدفت نشره، وفرْق بين الفتح الإسلامي والعدوان الذي تمارسه الدول الكبرى في عصرنا الراهن. فالفتوحات المحكومة بضوابط الشريعة، سواء كانت صلحا أو عنوة، ليست لها أية أهداف غير نشر الدين وتحكيم الشريعة بخلاف الحروب الراهنة التي غدت عقائدها الأخلاقية والسياسية والعسكرية قائمة على تشريع السيطرة والهيمنة والسلب والنهب والقتل العشوائي وحصار الشعوب والأمم وتدمير البنى التحتية والتجويع والحرمان واستخدام أسلحة الإبادة وفرض الأيديولوجيات والثقافات وأنماط المعيش على الشعوب الضعيفة. ولما لم تكن الجيوش الإسلامية معنية لا بالقتل ولا بالتدخل في أنماط المعيش وإخضاع السكان وإذلالهم بقدر ما هي معنية بنقل المجتمعات المستهدفة بالفتح من منظومة المعايير الأخلاقية والدينية والوثنية والوضعية عامة إلى منظومة أخرى قوامها الشريعة الإسلامية، فالمطلوب إذن فقط تحكيم الشريعة وإخضاع السلوك الفردي والاجتماعي بكل تجلياته إلى منظومة العبادة والحلال والحرام والحقوق والواجبات دون تدخل في نمط المجتمع ونموه وخصوصياته التي كانت تترك لأهل البلد.
 الأكيد أيضا أن أرفع ما في نظام الحكم الإسلامي هو منصب القضاء وليس الخليفة أو أمير المؤمنين أو السلطان، وحتى الخليفة لم يكن بمقدوره أن ينازع القاضي في سلطانه الذي هو سلطان الشريعة ذاتها، فالمصطلحات السائدة لدى القاضي والقضاء هي العدل بمقتضى الحاكمية والولاء والبراء وليس بمقتضى الاستقلالية والنزاهة والإنصاف والتاريخ والمكانة الاجتماعية.
   لذا فإن دولة التوحيد لم تأت لتقيم دول أو تقسِّم مناطق أو تستعمرها أو تضمها إلى الدولة الأم أو تهيمن على السكان أو تنهب الخيرات والمقدرات كما فعلت الدول الاستعمارية، ذلك أن عقيدتها ليست قوم

المزيد


مدخل إلى السلفية الجهادية ومشروعها الجهادي 2

نيسان 26th, 2008 كتبها د. أكرم حجازي نشر في , دراسات في السلفية الجهادية

مدخل إلى السلفية الجهادية ومشروعها الجهادي
(نموذج العراق)
(2)
المعهد العربي للبحوث والدراسات الإستراتيجية
عمان- الأردن
11/2/2008
 
المحور الثاني: السلفية الجهادية والجماعات الأخرى
   من المثير حقا أن تستقر السلفية الجهادية فاعلا استراتيجيا نشطا على الساحة الدولية في بضع سنين خلت خاصة بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر، لذا، لكن، وفي ضوء ما سبق بيانه من هوية وتيارات ضاربة،
 ينبغي التأكيد على أن الظاهرة لا يمكن لها أن تكون فعالة على المستوى الدولي وهي تقارع الولايات المتحدة الأمريكية خاصة وقوى الغرب عامة ولا تكون كذلك على المستوى الإسلامي في موازاة الجماعات الإسلامية الأخرى ذات الصبغة العالمية، ذلك أن هذه الجماعات تمثل بالنسبة لها الاحتياط الاستراتيجي الذي تنهل منه وستنهل منه لاحقا ولو على المستوى الفردي، كمرحلة أولى، بسبب جاذبية الخطاب السلفي.
   فالسلفية لا تعنيها كثيرا الجماعات الإسلامية المغمورة أو التي حشرت نفسها في أطر جغرافية أو خدمية ضيقة لم تتجاوزها منذ عشرات السنين مثلما تعنيها الجماعات ذات الانتشار العالمي الذي لا يخلو منه بلد إسلامي أو غير إسلامي، وهذا يعني أن السلفية تعمل بموجب نظام العولمة الذي يحقق لها تواصلا مع الرصيد في مختلف البلدان والمناطق. لكن كيف يمكن التمييز بين السلفية الجهادية وغيرها من الجماعات الأخرى؟ وأية فائدة قد تجنيها السلفية من "قريناتها"؟
   الحقيقة أن الإجابة تكمن في الفهم الدقيق لـمضمون "الشمولية" التي يطرحها المقدسي، وهو مضمون عقدي بالدرجة الأساس، فقد عاش العالم الإسلامي ردحا من الزمن اختلط فيه التوحيد بالشرك عبر تقديس الأولياء والزوايا والقبور، وتسببت الكثير من الفرق الضالة والتخلف في شيوع ظاهرة التمائم والترانيم والأساطير والخرافات والبدع وكأنها جزء من العقائد وطرائق للعبادة فيما هي شرك من حيث يعلم المعتقدون بها أو يجهلون، لذا استهدفت دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، في جانب منها، وكذا أئمة الدعوة محاربة هذه الانحرافات وتصحيح الاعتقاد، بل أن الدعوة السلفية اشتهرت عالميا باعتبارها دعوة للتوحيد بشقيه عبر محاربة: "شرك القبور" و "شرك الحاكمية"، وبصيغة أخرى فالدعوة استهدفت تحقيق "التوحيد الاجتماعي" و"التوحيد السياسي"، إذ ما من معنى لمحاربة مظاهر الشرك لتحقيق التوحيد دون استكماله بإقامة الحاكمية.
   لكن مع مرور الوقت ثبتت الأولى "محاربة شرك القبور" تدريجيا فيما سقطت الثانية "محاربة شرك الحاكمية" كليا إلا حين يكون ثمة حاجة لتنزيلها في موضع معين. ومثل هذا الأمر يشمل، مثلا، بعض علماء "السلفية العلمية" أو النظرية التي تقول بكفر الشرائع الوضعية التي لا تحكم بما أنزل الله، ولكنها عاجزة عن تنزيل الحكم على الواقع. لذا ترى السلفية الجهادية أن المعنى الشمولي للتوحيد، كالذي تحدث عنه المقدسي، يتطلب تحقيق شقي التوحيد الاجتماعي والسياسي في آن واحد، ولا يجوز "إقامة" أحدهما و "تأجيل" الآخر إلى يوم الحساب. هذا مع العلم أن المصادر والمرجعيات الشرعية للسلفية العلمية والجهادية واحدة بحيث لو قارنا مثلا بين الشيخ صالح الفوزان والشيخ علي الخضير أو أحمد الخالدي لما وجدنا خلافات تذكر فيما يتعلق بفقه التوحيد.
     وفي ضوء هذا الفهم، فالإشكال واقع ليس في اختلاف مصادر التشريع ومرجعياته بقدر ما هو واقع في تنزيل الحكم الشرعي، أو بمعنى آخر بين النظرية والتطبيق. فكيف يمكن تفسير ما ذهب إليه بعض العلماء من تشريع للجهاد الأفغاني والشيشاني، في مرحلة ما، ثم نبذه في مراحل لاحقة فضلا عن إنكاره في العراق؟ فهل تغيرت المصادر والمرجعيات؟ وإلا فبأية مشروعية جاهدوا ونزّلوا الحكم؟ وبأية مشروعة نقضوا ما سبق وأجمعوا عليه؟ وبأية مشروعية يكون الجهاد في مكان ما ولحظة ما من الزمن مشروعا؟ وبأية مرجعية يكون "قذارة" أو قتالا في سبيل الطاغوت؟ وفي ضوء هذا الفهم أيضا، وعبر المنهج والعقيدة، يمكن بسهولة ملاحظة ذات الإشكاليات والاختلافات بين السلفية الجهادية والجماعات الأخرى.
    فقد تمتعت جماعة الإخوان المسلمين، في بداية النشأة، بنهج سليم فيما يتصل بالدعوة إلى حاكمية الشريعة والسعي لإقامة الخلافة الإسلامية، لكنهم، فيما بعد، "أرجؤوا"[1]، وصار لهم اجتهادات وتأويلات تبرر وتشرِّع لمفاهيم الديمقراطية والشرعية الدولية والقوانين والعمل بموجب الدساتير الوضعية، فشاركوا في الانتخابات ومجالس النواب وأعلنوا "احترامهم" للقوانين والمعاهدات وما شابهها، وتبرؤوا حتى من هدف إقامة الدولة الإسلامية ناهيك عن اللبس الذي يرافق شعار "الإسلام هو الحل" وما إذا كان ما يزال صالحا للعرض أم لا؟ ورغم أن الجماعة هي الأقرب للسلفية الجهادية، بالنظر إلى تاريخها وخروج الكثير من العلماء وقادة الجهاد العالمي من رحمها أمثال سيد قطب وعبد الله عزام، إلا أنها تبدو اليوم أقرب إلى كونها جماعة اقتصادية كبرى تنشط في تنمية الرأسمال ومصادره أكثر بكثير مما هي جماعة دينية، ولا شك أن هذا التوجه دفع الجماعة إلى البحث عن الاستقرار والأمن وتدعيمه كي يتسنى لها الاستثمار في السوق وتنمية مواردها عبر بناء الجمعيات والمؤسسات والمصانع والدخول في الصفقات التجارية والمالية وسائر النشاطات الاقتصادية، وفي هذا السياق بالضبط يجري توصيف الجماعة من قبل السلفية الجهادية باعتبارها إحدى أدوات ومنتجات سايكس – بيكو. إذ لا فرق بينها وبين أي حزب أو مؤسسة أو جماعة، وهو ما يفسر أغلب مواقفها السياسية وتحالفاتها، ولأنها لا يمكن أن تكون معادية، فهي إما مشاركة في السلطة أو حليفة لها أو ساعية إليها بقطع النظر عن هويتها سواء كانت محلية أو قوة احتلال أجنبية كما هو الحال في العراق وأفغانستان.
   إذن فالجماعة على مستوى المنهج لم يعد الجهاد حتى إحدى وسائل التغيير لديها، بل أنها بتوجهاتها الجديدة، الباحثة عن الأمن والاستقرار، يبدو من غير المنطقي مطالبتها بإعلان الجهاد أو دعم السلفية في جهادها على الأقل ضد "طواغيت العجم"، بل أن التصريحات "الشخصية" لمرشد الجماعة محمد مهدي عاكف من الجرأة بحيث تصل إلى حد إنكار وجود القاعدة: "أنا شخصيا لا اعتقد أن هناك تنظيم القاعدة" واعتبار الفكر السلفي الجهادي: "فكر منحرف يسري بين شباب الأمة بتحريض من العدو الصهيوني والأمريكي وتصرفاته ضد العرب والمسلمين"[2]، والأكيد أن مثل هذه التصريحات منسجمة إلى حد بعيد مع توجهات الجماعة، ولو كان الأمر غير ذلك لتوجب على المرشد العام والجماعة أن يردا على تساؤلات رموز السلفية الجهادية التي باتت تدرك أن توجيه الخطاب للقواعد أجدى من توجيهه إلى قيادات "تخلت عن الحاكمية" وأخرى "باعت دينها"[3].
      أما حزب التحرير الرديف المحتمل للسلفية الجهادية بوصفه حركة عالمية، فلا يقل وضعه حرجا عن غيره من الجماعات بنظر السلفية. فهو حزب سياسي أكثر منه جماعة إسلامية، وهو يشكو تاريخيا من غياب العلماء وطلبة العلم، بل أنه لا يهتم لا بالعلم ولا بالعلماء، وبالتالي فتراثه المعرفي أو الفقهي يكاد يكون موقوفا على مؤسسه الشيخ تقي الدين النبهاني، وهي مسألة تضع عقيدة الحزب برمتها تحت المساءلة ليس فقط من قِبَل السلفية الجهادية بل ومن أية جماعة جهادية أو حركة مقاومة وطنية، أما من حيث المنهج فالجهاد موقوف عنده على ظهور الخليفة بما يشبه انتظار المهدي المنتظر حتى في أحلك الظروف سواء تعرضت البلاد لاحتلال مباشر أو حكم مستبد[4]، وهذا يعني تعطيلا تاما للجهاد سواء حضرت السلفية أو غابت، والغريب في الحزب أنه يحتجب عن ساحات الإعلام طويلا ثم يظهر فجأة عبر حشود بشرية مفاجئة[5] كمن يغيب دهرا ويحضر شهرا.
 ومع ذلك فالمسافة بينه وبين السلفية الجهادية ليست صوفية الطابع، فهو يلتقي معها، نظريا، في مسألة إقامة الخلافة والحاكمية إلا أنه يبتعد عنها واقعيا في إعلان الجهاد، ولا شك أن وقائع التصدعات في الحزب تشابه إلى حد كبير مثيلاتها لدى الإخوان المسلمين. فمنذ نشأته كانت له صولات وجولات في عديد الدول العربية أملا في تحقيق انقلاب ما يتيح له إعلان الدولة والخلافة لينطلق في مجاهدة "الكفار"، وكانت أبرز محاولاته في الأردن والعراق ومصر وتونس ثم توقف بعد حرب العام 1967، والآن ينشط في دول آسيا الوسطى خاصة في وادي فرغانه، والسؤال: هل يخرج الحزب من عزلته؟ أم سيشهد تصدعات على خلفية مواقفه كما حدث في حالة عمر بكري، الذي قاد الحزب في بريطانيا حتى عام 1996 ثم انشق عنه ليؤسس ما عرف بجماعة المهاجرين ذات التوجه المناصر للجهاد العالمي؟
 وإذا كانت الصوفية موقوفة على مظاهر الشرك والبدع والضلالات مما لا يخفى على أحد، وهذه لا تنفع السلفية الجهادية لا بالسياسة ولا بالجهاد، فالأمر، منهجا وعقيدة، أبعد ما يكون عن تمني السلفية ِلأنْ يكون لمثل هذه الجماعة دور يذكر في شأن الأمة إنْ لم تكن، أصلا، خارج حسابات الإسلام والمسلمين.
    لكن فيما يتعلق بجماعة الدعوة والتبليغ ذات النشأة الآسيوية (الهند وباكستان) فالمسألة فيها نظر[6]. فقد قيل الكثير في الجماعة إنْ سلبا أو إيجابا، وعلى كل مستوى بدء من نشأتها الصوفية مرورا بنقد فتاواها ومناهجها وعقائدها رغم تنوعها واختلافها من بلد لآخر وانتهاء بـ "جهودهم الدعوية الحسنة". أما منهج الجماعة، التي يصفها البعض بالعزلة عن العالم، فهو سلمي تجاه كافة المكونات الاجتماعية والسياسية، فلا هي تهاجم السلطة ولا تدخل في أية صراعات سياسية أو حزبية، بل هي ممن ينأى بدعوته عن السياسة بفصلها الدين عنه وعن الدولة، الأمر الذي يعرِّض دعوتها للطعن خاصة وأن الإسلام هو "دين ودولة" ولا يجوز "تبعيضه"، وهي بهذا أقرب ما تكون إلى "التوحيد الاجتماعي" من قربها إلى "التوحيد السياسي". والحقيقة أن أكثر الطعون الموجهة لها تقع في مسألة التوحيد وما يسميه البعض بـ "الخروج" عند الجماعة ذلك المصطلح الذي جعلت منه "الركن الأساسي الذي لا تصح الدعوة دون القيام به" بينما "الخروج" عند السلفية الجهادية هو تعبير مرادف للجهاد[7] وفق النص القرآني. ولعل السبب في ذلك نشأتها الصوفية، لكن مصدر الطعون بالدرجة الأساس تمس الجماعة من حيث الجهل في طلب العلم الشرعي وتركها للفقه، فرغم أنها تدعو إلى طلب العلم وأخذه عن العلماء[8]إلا أنها غالبا ما توصف بالجهل كلما رأت في العلم "طاغوتا" وكلما تمسكت أكثر بكتاب "رياض الصالحين" كواحد من أهم المراجع الذي "يتداوله الأعضاء كل يوم خميس حتى يتوفاهم الله" على ذمة أحدهم.  
   في المحصلة لا وجود لسياسة شرعية أو غير شرعية عند الجماعة، وبالتالي لا جود لأي تراث جهادي لا في عقائدها ولا في مناهجها، فضلا عن أن الصفات الست[9] التي تعمل بموجبها لإصلاح الناس أُنكرت من قبل العلماء لا من حيث الطعن بمحتواها بل من حيث النقص في تعبيرها عن شقي التوحيد. والثابت عن الجماعة أنها لم تزعم يوما أنها تمثل الإسلام أو المسلمين، ولأن كل ما تفعله هو"الهداية"، فليس للجماعة أية نوازع أو طموحات تذكر في العمل السياسي وغيره، وحتى النشاط الدعوي الذي تمارسه يلخصه البعض بعبارات لا تخلو من دلالة وهو يرى أن الجماعة تستطيع إدخال الشبان إلى المساجد لكنها قلما تستطيع الاحتفاظ بهم، ومثل هذا الوضع يجعل من الجماعة غير المحصنة سياسيا أو عقديا أو أيديولوجيا أو تنظيميا وجبة دسمة يسهل افتراسها أمنيا.
    لكن ما لا تستطيع أية جماعة أن تجاريهم فيه، ويشهد لهم فيه العامة والخاصة، هو تمتعهم بأخلاق رفيعة وأدب جم* واستهدافهم، في دعوتهم، العامة من الناس، فيخرِّجون شبانا على الفطرة ليسوا مؤدلجين ولا هم حزبيين ولا منتمين لأي فكر إسلامي، وهو أفضل ما يخدم السلفية الجهادية التي تبحث عن أنصار ومتطوعين لم تلوثهم الأيديولوجيات العلمانية و "ثقافة سايكس – بيكو". وهنا بالضبط يمكن أن نفهم لماذا تبدو الجماعة في غزة، مثلا، منأقرب الجماعات إلى السلفية الجهادية، ولماذا التحق المئات منهم بساحات الجهاد العالمي.وفي هذا السياق لما سئل خطاب قائد المجاهدين العرب في الشيشان من قبل إبراهيم الداغستاني عضو جماعة التبليع عن رأيه في الجماعة أجاب: "إن الجهاد والدعوة جناحان لطائر واحد"[10]، وهي إجابة كافية ليطير بها "الداغستاني" فرحا إلى بلاده وجماعته كي ينشط في تصدير عشرات الشبان منها إلى الجهاد الشيشاني. أما الشيخ عبد الله عزام فكانت شهادته عن أخلاق الجماعة تزكية غير مسبوقة وهو يقول: "رأيت أحسن المجاهدين أخلاقاً الذين كانوا قبل جهادهم في جماعة التبليغ"[11].
   إلى هنا يمكن القول أن الجماعة التي يراها البعض "صوفية بثوب جديد" وهي تفترض على العضو المبايع أن يدلي بقَسَم يمتنع بموجبه عن الاشتغال بالسياسة الشرعية بما يصل إلى درجة التحريم، ليست سيئة بالنسبة للسلفية الجهادية كما هو الحال تجاه أغلب رموز السلفية العلمية ناهيك عن الكثير من الفرق كالمدخلية والجامية.  
 
المحور الثالث: المجاميع الجهادية الكبرى في العراق
    يمكن لأي كان من المراقبين أو الباحثين أن يجادل في الشأن العراقي إلا في سرعة تفجر المقاومة السنية ضد القوات الأمريكية وحلفائها بعيد أيام قليلة من سقوط بغداد، ومع أن التكوين الديمغرافي في العراق خليط طائفي وإثني مرعب بما يكفي ليجعله مرشحا، بامتياز، في مثل هذه الحالات إلى انقسامات شديدة إلا أن الساحة العراقية شهدت ولادة العديد من الجماعات المسلحة التي اتخذت من الجهاد، وليس المقاومة، طابعا مميزا لها، ومن العقيدة مرجعية لفعالياتها السياسية والإعلامية والعسكرية والأمنية.
     وإذا ما تجاوزنا الحركات السياسية وجماعات المقاومة الوطنية كونها ليست من اهتمامات الدراسة، فمن

المزيد


ملخص دراسة

شباط 23rd, 2008 كتبها د. أكرم حجازي نشر في , دراسات في السلفية الجهادية

ملخص دراسة
مدخل إلى السلفية الجهادية ومشروعها الجهادي
      تناولت بعض الصحف الأردنية وقائع ندوة المعهد العربي للبحوث والدراسات الإستراتيجية، والتي عقدت في 11 شباط / فبراير الجاري، ولا يسعني في هذا المقام إلا أن أتقدم بالشكر لصحيفة العرب اليوم ولرئيس تحريرها وللزميل أسعد العزوني لما بذلوه من جهد مشكور في التغطية الإعلامية الموضوعية لما دار في الندوة، وفي نفس الوقت أعبر عن عتبي وأسفي الشديدين على صحف أخرى شاب تغطيتها لوقائع الندوة قصور كبير ولغط غير مبرر أرجو ألا يتكرر ثانية.
    ولأنني لا أستطيع التصرف بنشر الدراسة كاملة إلا بعد أن يأذن المعهد بذلك بوصفه صاحب حقوق النشر إلا أنني رأيت أنه من المناسب، في الوقت الراهن، الاقتصار على تغطية صحيفة العرب اليوم شاكرا للزميل أسعد العزوني على الخصوص أمانته في العمل الصحفي وجهده في تلخيص الدراسة بقدر ما أتيح له من مساحة.
وهذه تغطية الصحيفة:
 
ندوة حول السلفية الجهادية
 
الحجازي: ظهور السلفية الجهادية كفاعل استراتيجي دولي بعد أحداث 11 أيلول
"الإخوان" تخلوا عن الحاكمية وساروا في درب الديمقراطية
 
العرب اليوم - (23/2/2008)
 
أسعد العزوني
 

      عقد المعهد العربي للبحوث والدراسات الإستراتيجية ندوة بحثية بعنوان "مدخل الى السلفية الجهادية ومشروعها الجهادي (أنموذج العراق)" يوم قدمها الباحث الأردني د. أكرم حجازي, وأدار الحوار الذي حضره عدد من الدبلوماسيين والمتخصصين في الحركات الجهادية, نائب مدير المعهد العربي رائد فوزي احمود.
 
    وقال الباحث حجازي انه ومنذ هجمات الحادي عشر من أيلول 2001 برزت ظاهرة "السلفية الجهادية" كفاعل استراتيجي دولي مميز وفريد من نوعه سواء تعلق الأمر بالحدث السياسي أو بالحدث الأمني. موضحا أنها باغتت في فعالياتها ومساعيها كلا من السياسي والديني والاجتماعي والثقافي والعلمي والمعرفي وحتى الحضاري قبل أن يستشعر احد بجدية الأخطار التي تخلفها في بنية التنظيم الدولي والعلاقات الدولية. ويعتقد البعض بوجود توجهات أمريكية تقضي بغض الطرف عن نمو السلفية الجهادية وغيرها من الظواهر التي من شأنها إشاعة فوضى يمكن السيطرة عليها من جهة وتوظيفها كآليات وأدوات تسمح بالمزيد من التدخلات الأمريكية من جهة أخرى. بل إن هذا البعض يغالي أكثر في الاعتقاد بأن السلفية الجهادية ليست أكثر من علامة تجارية أمريكية مسجلة في وكالات الاستخبارات الأمريكية.
 
       وحول وحدة لغة السلفية الجهادية أوضح الباحث أنه من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن التحدث بلغة السلفية الجهادية لا يعني أبدا قبول أطروحاتها أو رفضها بقدر ما هي وسيلة ناجعة لفهمها وتفسير خطاباتها والوقوف على استراتيجياتها وسياساتها بالمضمون الذي هي تريده وتسعى إلى التعبير عن نفسها وانه من العبث قراءة الأطروحة السلفية إعلاميا أو أيديولوجيا أو أمنيا أو سياسيا او حتى تنظيميا, ذلك ان السلفية تيار متشعب ومعقد لكنه ليس تنظيما وإن بدت أدواته الضاربة كذلك في مواضع شتى.
 
 توصيف الظاهرة
 
      وبخصوص توصيف ظاهرة السلفية بين أنه سهل المنال مع أنه مظهر خادع ليس الوصول إليه متاحا بالنظر إلى سرية الفاعلين واختلاف البناء الهيكلي للأدوات التي تشكل الظاهرة كالتنظيم الأم والأدوات الضاربة لها في شتى أنحاء العالم مقارنة بالأبنية التقليدية المتعلقة بالجماعات الجهادية المسلحة.
 
       وقال إن هذا لا يعني أن السلفية لا تتمتع بإنتاج معرفي هائل تفوقت فيه, كما ونوعا, على ما سبقها من الجماعات السياسية.منوها إن مصطلح السلفية الجهادية في وسائل الإعلام استقر ليعبر عن تيار جهادي ذي صبغة عالمية, لكنه في عرف أصحاب التيار لا يكفي لبلوغ المعنى الدقيق له فضلا عن أن ترويجه ينطوي على حصر للتيار في أطر ضيقة. فالوهابية مثلا تمثل إحدى المصادر الشرعية والتاريخية للفكر الجهادي العالمي لكنها ليست المصدر الوحيد, وتبعا لذلك ليست السلفية الوهابية الجهادية هي التيار

المزيد


الفاعل الاستراتيجي القادم على الساحة الدولية

كانون الأول 1st, 2007 كتبها د. أكرم حجازي نشر في , دراسات في السلفية الجهادية

 
الفاعل الاستراتيجي القادم على الساحة الدولية
 
د. أكرم حجازي / كاتب وأستاذ جامعي
drakramhijazi@yahoo.com
صحف - 30 / 11 / 2007
 
 
 
    بدأت آليات المواجهة الطاحنة بين تيارات الجهاد العالمي والخصوم تتضح على نحو جلي وشديد البيان بما يكفي للحسم بأن مؤشرات الصراع بين الجانبين باتت تتجه للتبلور في صيغتها النهائية على الأقل خلال المدى المنظور، على أنه من الأهمية ملاحظة أن الصراع وفق هذه الآليات لا يعني قرب نهاية الصراع أو انتصار طرف على آخر فيه بقدر ما يعني بدايته بأتم معنى الكلمة. ومن المرجح أن يتخذ أشكالا أخرى أشد عنفا خاصة وأن أحد الطرفين لن يسلم بسهولة للطرف الآخر ما لم ينته الأمر بكارثة محققة تصيب أحدهما. فما هي هذه الآليات التي تتخذ الآن صورة ظواهر اجتماعية فريدة في حاضر الأمة؟ وأي مكانة تحتلها في الصراع؟
 
أولا: مشاريع الصحوات العشائرية
   لا شك أن الولايات المتحدة الأمريكية وكافة القوى الصديقة والعدوة ذهلت من سرعة تشكل جماعات الجهاد في العراق وشراستها غير المعهودة في القتال خاصة في بيئة غير مواتية أصلا لحرب العصابات كبيئة العراق، هذا المعطى الذي من المفترض أن يصب تلقائيا في صالح القوات الأمريكية سرعان ما تبددت ميزته وانكشفت نقاط ضعفه بعد أن حولته الجماعات الجهادية إلى أثر بعد عين وهي تخوض حرب عصابات في المدن والشوارع والحارات والأزقة والبيوت المهدمة والوديان مستخدمة أبسط الأسلحة وأخفها من قناصين وألغام وعبوات ناسفة وكمائن وحتى هجمات مباشرة وصاعقة استهدفت آليات العدو ومقراته وطائراته. 
   إنها مواجهة كانت بحق، وما زالت، طريفة للغاية وغريبة رغم الانقسام الطائفي والسياسي وما نتج عنهما من تبلور فريقين أحدهما حليف لقوى الغزو والآخر معادي لها. بل هي مواجهة سرية وغامضة لا يمكن ملاحظة، أكثر من تمظهراتها وتجلياتها العنيفة جدا، إذ من الصعب فهم آليات عملها وحراكها العسكري والأمني، وبالتالي لما يكون من المتعذر الاطلاع على خفايا القوة فيها فلن يكون سهلا علينا التنبؤ بمدى استمراريتها وشدة بأسها؟
    لهذه الأسباب وغيرها فشلت القوات الأمريكية في المساس بها كثيرا رغم التنوع الكبير في وسائل ضربها واستخدام جيوش من العملاء والخصوم ولكن دون جدوى، فما كان منها إلا التوقف عن الغطرسة والارتجالية وعقلية الحروب السياحية واللجوء أخيرا إلى الأبحاث والدراسات الأكاديمية التي خرجت بتوصية تقضي بفك الارتباط بين هذه الجماعات والمجتمع بوصفه الحاضن لها، فجست النبض أولا عبر فك الارتباط بين الجماعات الجهادية ذاتها لتحقق، بلا ريب، بعض النجاحات إلا أنها فشلت في العموم مواصِلَة البحث والتقصي إلى أن وجدت ضالتها في بعض العشائر والأفخاذ وسقط المتاع من مجرمين وخصوم وأعداء وعاطلين وقطاع طرق ومخمورين وزناة وحاقدين وغيرهم. فمثل هؤلاء المهمشون أو المنبوذون ممن لم تعد لهم أية مرجعية وطنية أو دينية أو أخلاقية تذكر إلا بالقدر الذي تتحقق فيه مصالحهم، معطوفا عليها ما يحصلون عليه من امتيازات مؤقتة أو دائمة، شكلوا في الواقع الأدوات الضاربة الأهم بيد الاحتلال. وهكذا بدأت الصحوات تتشكل تباعا خاصة في المناطق التي تتواجد بها القوات الأمريكية أو على مقربة منها بهدف تأمين حمايتها ومهاجمة القوى الجهادية وطردها من مناطق نفوذها بقطع النظر عن موقف القوى الاجتماعية والدينية. والفريد في المسألة أن مجالس الصحوات من المفترض أن تتشكل في المناطق العشائرية إذا ما أخذنا بعين الاعتبار السمة المناطقية التي تحملها أصلا ومصادر الموارد البشرية الكائنة في المنطقة إياها، إلا أن الواقع يتحدث عن تشكيل مجالس صحوة في المدن والحارات والأحياء والقرى والشوارع بكثافة لعل المقصود منها إسباغ الشرعية عليها وجعلها مألوفة بين الناس، أما أن الأمريكيين أنفسهم يصرحون بأنهم لا يسمحون بتشكيل مجالس صحوة إلا في المناطق التي يتواجدون فيها أو التي تضطر قواتهم إلى المرور فيها، فهو مما يكفي للدلالة على أن تشكيلها هو قرار أمريكي محض وليس اختيارا اجتماعيا كما يروج رموزها الذين جاهروا علنا بطلب المليارات لقاء مقاتلتهم القاعدة، زيادة على أن التركيبة الذهنية للقبيلة هي التي استغلت في بنائها لتلبية الاحتياجات الأمريكية الأمنية والسياسية مما ينفي أية علاقة، بالإجمال، للتركيبة الاجتماعية والجغرافية للقبائل بتشكيلها بدليل تنصل العشائر الأصيلة منها ونبذها بشهادة الحقائق التالية:
(1) أن الخلفية الاجتماعية والأيديولوجية للمكونات البشرية للصحوات ليست متماثلة؛
(2) كما أنها خارجة عن السياق القيمي والديني للقبيلة كونها جُمعت من الحضيض الاجتماعي لأفراد وجماعات صغيرة وليس من كتل اجتماعية ذات شأن؛
(3) وبالتالي ما من مرجعية لها إلا القوى التي احتضنتها وجمعت شتاتها.
(4) وفي هذا السياق يحسن الإشارة إلى أن مشاريع الصحوات ما كان لها أن تنجح مطلقا لولا وجود قوى سياسية محلية حاضنة لها، بالإضافة إلى القوات الغازية، بحيث تشكل لها غطاء سياسيا واجتماعيا وأخلاقيا وحتى دينيا فتسبغ الشرعية على تصرفاتها وسلوكها حتى لو تعارضت مع مصالح الأمة ومصالحها هي ذاتها، فالحاصل أنه، وبأيد محلية، تم إغراق هذه الشريحة في المزيد من البؤس وتوريطها في سياسات لن تتعافى منها في المدى المنظور لا هي ولا أحفادها من الأجيال القادمة.
   إذن، لا شك أن هؤلاء تحولوا إلى رأس حربة للمحتل الذي جيش الآلاف منهم (72 ألف حسب المصادر الأمريكية من بينهم 18 ألف شيعي) ونجح أيما نجاح في تحقيق ما عجزت عنه كافة الجيوش الغازية والقوى الحليفة لها، فخسرت القوى المجاهدة مناطق استراتيجية وفقدت الكثير من خزينها المقاتل على يد هؤلاء وانخفضت وتيرة المواجهات مع القوات الأمريكية. وكان لهذه النتائج صداها السياسي والعسكري لدى السياسيين والقوات الأمريكية، ولعل أبرز ما في هذا السياق تخصيص الإدارة الأمريكية لمبلغ 23 مليار$ لمواجهة دولة العراق الإسلامية بحسب المتحدثة باسم البيت الأبيض، والأهم منه تصريح ستيفن بيدل كبير الخبراء في السياسات الدفاعية في مجلس العلاقات الدولية الأميركية عن الصحوات بوصفها "أنجح صفقة بتأريخ الحروب".
    هذه الوضعية شكلت في العراق أخطر محاولة لضرب المشروع الجهادي في الصميم وإعاقة تحركه، بل أن الصحوات مثلت أهم إضافة جديدة في الحروب العدوانية لضرب كافة حركات المقاومة والتمرد في الدول والمجتمعات ذات البنية القبلية، وهو اكتشاف لا يقل أهمية وفرادة عما اكتشفه منظّر الحرب البروسي الجنرال كلاوزفيتز إبان الغزو النابليوني لأسبانيا بإدخاله مفهوم الحرب الشعبية على ساحات الصراع الدولية والاستعمارية بصورة غير معهودة، ولكن هذه المرة من الشعب وضد الشعب نفسه وليس معه، مما يعني أن المشروع سيجري تعميمه في كل منطقة صراع ذات تركيبة اجتماعية مماثلة. ولأنه كذلك فقد أدركت الجماعات الجهادية، خاصة السلفية منها، خطورة المشروع الذي بات فعليا أشد ضراوة من قوى الاحتلال ذاتها، وأن قطف أحد رؤوس الصحوات لا يقل أهمية عن تدمير همر أو إٍسقاط طائرة أو تفجير عبوة أو قنص ضابط أمريكي أو مسؤول عميل، وهكذا اضطرت هذه الجماعات إلى مواجهة المشروع بقسوة غير مسبوقة عبر خوض حرب طاحنة استهدفت رؤوس الصحوات بالدرجة الأساس ملحقة بها خسائر فادحة لا تقل عما ألحقته بقوات التحالف.
    وخلال الشهور القليلة الماضية أمكن: (1) ملاحظة شبه صمت إعلامي لدى دولة العراق الإسلامية بالذات يصعب تفسيره خاصة وأن الأذرع الإعلامية لها ليست بالقليلة ولا العاجزة عن العمل، بل أن الصمت شمل التوقف عن التعليق على أحداث كبيرة مثل استئناف الشيخ أسامة لخطاباته الصوتية والمرئية وقلة في البيانات العسكرية حتى لدى مؤسسة الفرقان بينما شهدنا تقدما إعلاميا لدى أنصار السنة ونشاطا عسكريا مكثفا للجماعتين كما لو أن هناك تكامل في العمل بينهما أو تبادل أدوار، كما (2) لاحظنا تقدما واضحا للعمل الأمني على حساب العمل العسكري الذي يستهدف الأمريكيين، ونحسب أن هذا ليس عجزا عن مواجهتهم بقدر ما هو نقل للأولويات، وإلا فمن يستطيع استهداف رؤوس الصحوات لا شك أن بإمكانه استهداف أسيادهم، ثم (3) استفقنا

المزيد


مسائل جوهرية (6 والأخيرة)

أيلول 21st, 2007 كتبها د. أكرم حجازي نشر في , دراسات في السلفية الجهادية

مسائل جوهرية في فكر السلفية الجهادية
(من التوحيد إلى صناعة القيادة)
الحلقة السادسة والأخيرة
د. أكرم حجازي / كاتب وأستاذ جامعي
drakramhijazi@yahoo.com
 
 
خلاصة القول
   هذه بعض أهم ملامح أطروحات السلفية الجهادية كما بدت للباحث، وبالتأكيد هناك الكثير من الأطروحات التي ينبغي التوقف عندها وبيان مضامينها كمسائل التكفير والفتنة والجهاد ومراحل النكاية والتمكين والعلم والمعاملات وفقه الحرب والتحييد وغيرها ممن لم يتم بحثها حتى الآن من قبل الأكاديميين، والإشكال واقع حكما في التوصيفات قبل التعرض لها بالدرس والتحليل والنقد الذي لو اضطلع به باحثون غير شرعيين لكانت النتائج أفضل والصورة أكثر وضوحا خاصة وأن المسائل الشرعية قلّ من يفهمها من العامة وحتى من الباحثين. وقبل أن نختم يستحسن تثبيت بعض الإشكالات التي تواجه الخصوم وتنفع في البحث عن أجوبة لها:
1)  لا شك أن المتابع للشأن السلفي سيلاحظ أن الإشكال الذي بات يواجه الخصوم لم يعد ينحصر في دخول السلفية فيما تسميه مراحل النكاية في بعض الجبهات المفتوحة كالعراق وأفغانستان والشيشان والصومال … إنما حقا في تضخم تيار الجهاد العالمي الذي بلغت امتداداته شتى أصقاع الأرض حتى ولج في رحم الحياة الاجتماعية وبات يتربص بالفرد والجماعة على السواء. ولعل هذا الأمر هو ما يخيف الخصوم ليس فقط خارجيا بل محليا. والإشكال الأهم في السياق أن الانتشار الحاصل هو انتشار أفقي، أي غير تنظيمي. وهذا يؤشر على أن الانتشار على الطريقة السلفية الجهادية ليس مرتبطا بآلية نشوء التنظيمات التقليدية القائمة على التمويل وتلقي الدعم السياسي والغطاء الأمني من أية جهة سياسية كما هو حال نشأة الأحزاب وحركات التحرر الوطني التي كانت تحتاج إلى حوار إقليمي أو دولي يؤمن لها الظهور والاستمرارية.
2)  والإشكال الثاني، هو عبثية السعي الحثيث لشخصنة التيار السلفي الجهادي وحصره في القاعدة كمرحلة أولى، ومن ثم شخصنة القاعدة وبعدها شخصنة دولة العراق الإسلامية وصولا إلى تفكيك كل جماعة جهادية من خلال رد نشأتها إلى رموزها وضربها ببعضها البعض كمدخل لتفكيك الجماعة، لكن الذين يحاولون إظهار القاعدة وكأنها تنظيم الظواهري هم أنفسهم الذين عارضوا بن لادن والزرقاوي والمهاجر والبغدادي، وهم أنفسهم الذين عارضوا طالبان، وهم أنفسهم الذين عارضوا العبسي وأبو سياف وخطاب، وهم أنفسهم الذين سيعارضون كل جماعة جهادية أو مقاومة حتى لو كانت وطنية، وهم أنفسهم الذين قدموا العمل السياسي وراهنوا عليه على حساب الجهاد، وهم أنفسهم الذين غرقوا في الشخصنة حتى شخصنوا معهم كبريات القضايا الوطنية والإسلامية، فلم تعد عقلياتهم تتسع لغير التنظيم أو لأكثر من كونهم "شخصيات تاريخية" فيه، بل أن عقلياتهم تحجرت لدرجة أنهم لم يعد بمقدورهم أن يتصوروا عقلا وشرعا وجودهم خارج التنظيم، حتى باتوا كالسمك إذا خرج من الماء هلك. هؤلاء، بنمطية التفكير لديهم، خفي عنهم ملاحظة أن القاعدة جماعة تحمل راية وليست راية، هذه الميزة التي تفصل بين الجماعة والراية فصلا تاما هي الحصن الحصين الذي يجعل من القاعدة تيارا عقديا غير قابل للشخصنة مما يمنحها امتدادات شعبية في شتى أصقاع الأرض، ولو كانت راية التوحيد راية تنظيمية، كما هو الشأن لدى الحركات الإسلامية عامة، لما تجاوزت القاعدة حدود نشأتها، وهذا هو سر انتشارها كفكرة وليس كتنظيم، وهو جوهر المشكلة مع كافة القوى والخصوم لأنها تيار عقدي غير قابل للشخصنة، لذا نؤكد ثانية على أن المشكلة ليست في احتكار القاعدة للجهاد ولا في احتكارها للراية، بدليل أن البداية كانت مع الجهاد الأفغاني ثم تطورت نحو الأفغان العرب ثم القاعدة ثم التيار السلفي بكل أدواته الضاربة، وها نحن نشهد دولة العراق الإسلامية وما بات يتجه نحو حركة الجهاد العالمي في مناطق كثيرة من العالم الإسلامي، لذا فالتفكير في القاعدة وكأنها الوصية على الراية أو الجهاد العالمي هو تفكير عبثي أو مغرض كالشخصنة تماما ليس وراءه من هدف سوى الطعن بالحركة الجهادية العالمية لا أكثر ولا أقل عبر حصرها في تنظيم القاعدة، وتأسيسا على ذلك فإذا ما اختفت القاعدة أو اضمحل نشاطها وذكرها فلأن الأمر وارد ولم يعد يعني الشيء الكثير، وحتى اختفاء رموزها وقادتها لن يغير في الأمر شيء[97]  بما أن الحديث الآن عن الراية تجاوز مرحلة التنظيم بالكامل ليغدو حديثا وفعلا عن راية أمة قد يكون للقاعدة السبق في رفعها والتعبير عنها ولكنها بالتأكيد ليست ملكها ولا هي سعت لاحتكارها ولا يحق لها ذلك، وليس أدل على ذلك من ظهور جماعات ضاربة ذات طابع سلفي جهادي ولكنها ليست فرعا من القاعدة ولا من غيرها.
3)  أما الإشكال الثالث فهو ذاك الواقع في تصريحات الشيخ عطية الله، فقد لا يهتم لها البعض من الجماعات الإسلامية أو ممن "يستحسنون المد  في اللحى ويشرِّعون الجَزْر في العقيدة والتوحيدولكنها بالتأكيد ستلقي بظلالها على جماعة الإخوان المسلمين التي حددها بالاسم كجماعة، من بين جماعات أخرى، غير مؤتمنة على قضايا الأمة والحركة الجهادية العالمية، وهو تصريح غير مسبوق بهذه الصراحة والوضوح، والأكيد أن الجماعة تشعر بأن السلفية الجهادية إن لم تكن قد سحبت البساط من تحت أقدامها فهي على الأقل تزاحمها وتخوض معها صراعا أيديولوجيا وسياسيا مكشوفا جرى التعبير عنه بوضوح وعديد المرات من قبل د. أيمن الظواهري وأبي يحيى الليبي[98]  وقادة دولة العراق الإسلامية وغيرهم من رموز السلفية على خلفية اتهام الجماعة بالنكوص عن مبادئها وأهدافها[99]  فضلا عن أنها متهمة "بالعمل على تعميم الإرجاء على أوسع نطاق"[100] . وإذا كانت السلفية تقرر أنها لا يمكن أن تسلم القيادة والراية للإخوان المسلمين فهذا يعني أضعف الإيمان، ولكن في معنى آخر فقد يشي القرار بأنها لن تغفر للجماعة ما فعلته وتفعله بها في أفغانستان والعراق والجزائر أيا كانت المبررات.
4)  ويبقى الإشكال الرابع فيما تكشفه التصريحات الأمريكية للقادة العسكريين، فهؤلاء، سواء صدقوا أو راوغوا، إلا أنهم يقرون ميدانيا أنهم يواجهون خصما عنيدا بلا رحمة ولا يمنحهم أية فرصة للقتال على طريقتهم أو وفقا لما تعلموه في كلياتهم الحربية، فهم مصممون على المواجهة والصمود والتحدي مثلما هم مصممون على القتال حتى الموت، وهي حالة فريدة لم يسبق للأمريكيين وغيرهم أن خبروها في أي مكان آخر لا في فيتنام ولا في كوريا ولا في أوروبا. ربما في هذه صدقوا ولكنهم في مسألة الانسحاب مراوغون بلا شك حتى وإن كان القرار السياسي متعلقا بتوصياتهم.
 
 
************************************
 
الحواشي والهوامش
 
97)  كان لافتا للانتباه رد الشيخ بن لادن في خطاب الرثاء على تصريحات وتحليلات تنبأت بأفول عهد القاعدة في العراق إثر اغتيال أبو مصعب الزرقاوي، ففي شريط الرثاء الصوتي نصح بن لادن الرئيس الأميركي جورج بوش بعدم "الإكثار من الفرح" مشيرا أن "الراية لم تسقط وإنما انتقلت من أسد إلى أسد من أسود الإسلام"، وردت في تسجيل صوتي لبن لادن في 30/6/2006.
98)  أبو يحيى الليبي، " فلسطين صيحة نذير وصرخة تحذير "، مؤسسة السحاب، ربيع الثاني 1428هـ الموافق29-4-2007م.
99)  راجع كنموذج مقالة د. عصام العريان حول مراجعات الإخوان: "عشر سنوات على مبادرة وقف العنف: العودة إلى منهج الإخوان"، مجلة المجتمع الكويتية، العدد 1760، 14/7/2007.
            http://www.almujtamaa-mag.com/Detail.asp?InNewsItemID=231407
100)  أبو حمزة المهاجر، خطاب صوتي بعنوان: "قل موتوا بغيظكم"، مصدر سابق.
 
*************************************************
 
قائمة المصادر والمراجع
 
أولا: المصادر الشرعية
  • القرآن الكريم
1)        (لقمان: 13)
2)        (الأنفال: 24، 67، 10)
3)       (العنكبوت: 6،69)
4)       (الكهف: 29)
5)       (الفتح: 29).
6)       (التوبة: 73، 105).
7)       (الإسراء: 5)
8)        (آل عمران: 126،159).
9)       (البقرة: 194، 256)
10)    (محمد: 21)
11)    (النساء: 76، 104)
·         الحديث الشريف
12)   "إذا تبايعتم بالعينة، وتبعتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلَّط الله عليكم ذُلاًّ لا يرفعه عنكم حتى تعودوا إلى دينكم
13)    لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِالذَّبْحِ ]، []حديث نبوي صحيح[.
ثانيا: الشرائط المرئية والصوتية
14)    الشيخ أبو حمزة المهاجر، "قل موتوا بغيظكم"، تسجيل صوتي، مؤسسة الفرقان، 5/5/2007.
15)    الشيخ أبو حمزة المهاجر، "نداء إلى علماء الأمة

المزيد


مسائل جوهرية (5)

أيلول 21st, 2007 كتبها د. أكرم حجازي نشر في , دراسات في السلفية الجهادية

مسائل جوهرية في فكر السلفية الجهادية
(من التوحيد إلى صناعة القيادة)
الحلقة الخامسة
د. أكرم حجازي / كاتب وأستاذ جامعي
drakramhijazi@yahoo.com
 
 
ثانيا: القيادة، مواصفات وشروط
   لعل السلفية الجهادية يمكن أن تنجح أو تفشل في تحشيد الأمة من حولها، لكن القول بأنه يمكن القضاء عليها عبر القضاء على رموزها قتلا أو اعتقالا فهي مسألة أبعد ما تكون عن الحقيقة. فالأمة مقبلة على نمط جديد من التفكير والعمل غير مسبوق ولا مألوف، والثابت أن السلفية تجاوزت مرحلة التصفية أو الإبادة، ولو كان لمثل هذا الأمر أن يجدي لنجحت الولايات المتحدة فيه منذ غزت أفغانستان وأعملت قتلا في قيادات السلفية وكوادرها وعناصرها من شتى أنحاء العالم سواء كانوا من القاعدة أو من طالبان أو من أية جماعة أخرى تواجدت على الساحة الأفغانية أو الباكستانية. ونكاد نجزم أنه لو تعرضت دولة أو جماعة أو حزب لما تعرضت له السلفية الجهادية في أفغانستان أو الشيشان على يد الروس وما تتعرض له في العراق لما بقي لها أثرا يذكر. وعلى العكس من ذلك أعادت طالبان بناء قوتها ولملمة شتاتها وها هي تخوض حربا ضروسا ضد قوات حلف الأطلسي في أفغانستان، أما القاعدة فقد نجحت في فتح جبهات أخرى ودعمت قوى سلفية ضاربة في عدة بلدان إسلامية وظهرت دولة العراق الإسلامية ونشطت معها القوى السلفية الأخرى من أنصار السنة وجيش الراشدين وأبي بكر الصديق حتى عصائب العراق فضلا عن الكتائب السلفية الأخرى، واختفى رمز الجهاد العالمي ليزيد الطين بلة فاستقال مايكل شوير رئيس وحدة مطاردة بن لادن بعد أن فشل في القبض عليه أو تصفيته، وأقر أحدث التقارير الاستخبارية السرية للولايات المتحدة نقلا عن مجلة النيوزويك الأمريكية بأن القاعدة تضخمت وأنها غدت أقوى من أي وقت مضى منذ هجمات 11 سبتمبر 2001، وأنه من المستحيل القضاء عليها دون تعاون الحلفاء[76]! ترى ما هو السر في قوة السلفية الجهادية وقياداتها؟
   فضلا عن وضوح خطاباتها فما من تميز للسلفية بأقوى من قدرتها على صنع القيادات وإنتاجها. فهي عملية معقدة لا يبلغها إلا من بلغها بشروط لا يمكن تجاوزها أو التهاون بها. بمعنى أن القائد لا تصنعه التعليمات ولا سنوات الخدمة ولا الترقيات المألوفة، فمن يصنعها إذن؟
 I.العلم الشرعي
 لما يردد بن لادن القول: "لسنا جامدين … سندور حيث تدور العقيدةفإننا نحمل هذه العبارة على محمل الجد كونها "تعبر عن صميم عقل السلفية الجهادية وفلسفتها العقدية كمرجعية وحيدة … ذلك أن التنظيم بنظر أتباعه عقيدة يدورون معها حيث تدور وليس بناء أيديولوجيا ولا أولوية ولا هدفا بحد ذاته ولا غاية مرجوة. فإذا ما قررت العقيدة، بنظر السلفية الجهادية، أن هذا خطأ أو صواب وذاك حلال أو حرام وهذا صديق وذاك عدو فلا مفر حينها من التسليم والدوران حيث تدور العقيدة وتقرر بعيدا عن أي تأثير تنظيمي أو تبعات سياسية"[77].
     فالمعنى إذن يؤكد على أن سر السلفية الجهادية يكمن بالذات في الشريعة بوصفها المصدر الوحيد في: (1) الحكم على النوازل أو (2) توجيه السلوك العام والخاص أو (3) بيان الاحتياجات والمتطلبات أو (4) رسم السياسات و (5) وضع الخطط، و … الخ وبمعنى من المعاني فالشريعة ومصادرها معطوفا عليها التجارب الإسلامية، بعرف السلفية الجهادية، ليست علوما للتلقين ولا ميدانا للفقه ولا مجرد أحكام مصفوفة ولا هي تخصصات علمية، وليست الغاية منها التمتع والوجاهة والتفاخر ولا وسيلة لتحصيل الوظيفة والمال والجاه والرفعة. بل هي مرجعية ومنهج حياة بديلا عن أية مصادر أو مرجعيات أخرى، وعليه فإن التحصن بالعلم الشرعي يغدو الشرط الأول والحاسم في العمل خاصة وأن "المجاهد هو أكثر من يحتاج إلى العلم من غيره وهو يخوض غمار الجهاد ٍالذي يستدعي منه أن يكون على بينة من هذا الأمر العظيم"[78] .
   فالأمن[79]  والسياسة الشرعية والخطط العسكرية وتحديد مراحل النكاية والتمكين والأولويات أو فقه الجهاد وأحكامه وفقه الواقع وفقه التحييد وفقه المرحلة وفقه التزكية وطرق قتال العدو والتنبؤ بسقوطه أو نجاحه وضبط مواضع الخلل والقوة والضعف واتخاذ المواقف كلها وغيرها من القضايا يجري الاستدلال عليها أو الاسترشاد بها من خلال الشريعة والسنة النبوية وسلوك الصحابة وفتاوى العلماء والفقهاء وقادة الجيوش الإسلامية والتراث الإسلامي الجهادي[80]  قبل الاستعانة بأية مصادر أخرى. لذا فما من نازلة أو حدث أو سلوك إلا ويخضع للحكم الشرعي الذي له وحده الحق في إجازته أو رفضه، ولا عبرة لأية مبررات تاريخية ولا لأية قيم أو مجاملات أو اعتبارات للمصداقية وغيرها ممن تصنف تحت قافلة "الهوى"، فلو سرقت فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم لقطع محمدٌ يدها، ولو نكص بن لادن على عقبيه لنبذ غير مأسوف عليه[81].
   قد يبدو هذا نوعا من الوصاية على الدين وكأن السلفية الجهادية باتت على حق وغيرها على باطل وهو ما ليس من الأطروحة السلفية بشيء، إذ أن الشريعة، بالنسبة إليها، فيها من السعة ما ليس في أية مرجعية أخرى، فهي الرصيد المعرفي الهائل الذي لا ينضب مع الزمان بخلاف أية مرجعيات أخرى لا تتعدى أعمارها، في أحسن الأحوال، بضعة عقود لا أكثر، وفيها من الأمن والأمان والسكينة ما لا يمكن للأيديولوجيا أن تحلم به، وفيها من المثل ما لا ينفع الاقتداء بغيرها، وفيها من التوجيه والإرشاد ما لم يقع الاستفادة منه سابقا بسبب تغييبها عن الأمة وواقعها، وفيها من القوة ما تستكين معه نفسية المجاهد، وفيها من الصرامة ما يكفي ليدمغ الحق فيها كل باطل فيزهقه، من هنا تأتي الحاجة إلى تعلم العلم الشرعي للعمل به.
    لذا فإن البيئة التربوية التي تنشأ فيها السلفية الجهادية هي على الأغلب بيئة المساجد وحلقات العلم والعلماء وبيئة الغرباء من كهوف وسراديب وصحاري وبيئة الثغور وساحات الجهاد وميادين القتال وليست بيئة سايكس – بيكو من القصور والفنادق والمؤتمرات والوزارات والسفارات والمكاتب المكيفة ووسائل الإعلام، ولا بيئة التنظيمات والأحزاب والأيديولوجيات ولا بيئة العلاقات الدولية والأمم المتحدة
ومجلس الأمن والمجتمع الدولي، وشتان بين البيئتين.
    كما أن للعلم الشرعي ميزة لا توفرها أية أيديولوجيا مهما بدت متماسكة، فالصحابة كان الواحد منهم يوصف وكأنه "قرآن يمشي على الأرض"، وهذا يؤشر على أن توجه السلفية نحو دراسة العلم الشرعي والنهل منه ما استطاعت إنما هو محاولة للتشبه بالصحابة، وقد يبدو الأمر نكتة بالنسبة للخصوم خاصة وأن لديهم الكثير من الردود على مثل هذه "الأحلام والغرور"، لكن لو رفعنا من مستوى التحليل والتفسير أكثر قليلا سيتبين لنا أن السلفية باشتراطها العلم الشرعي إنما تجعل من عناصرها مشاريع قيادة من العيار الثقيل، وفي هذه النقطة وأمثالها فليتنافس المتنافسون. فمن يخوض الجهاد عليه أن يفهم إلى أين يقود الأمة ولأية أهداف، وعليه أن يعرف كيف يخاطبها، وبأية أدلة يواجهها، وعليه أن يتحمل كامل المسؤولية أمام الله والناس. أما التلاعب بمصير الأمة وزجها في أتون حروب طاحنة لا فائدة ترجى منها أو تسويات ظالمة وخائبة أو تحالفات مشبوهة فهي من تداعيات الجهل في الدين وغياب المرجعية، والصدع بما فيها من حقوق هي ملك للأمة وليست ملكا لعالم أو فقيه أو محدث أو حاكم أو سياسي أو أية شخصية كانت.
 ومن الأهمية التنبيه إلى أن الأخذ بالعلم الشرعي لدى السلفية الجهادية يأتي على خلفية النقص الفادح في التكوين لدى الجهاديين من جهة ولترشيد فعاليات العمل الجهادي وبنائه من جهة أخرى على أسس شرعية واضحة. ففي مؤلفه الضخم يورد أبو مصعب السوري الكثير من الإشكالات التي عانى منها قادة الجهاد أمثال عبد الله عزام والظواهري وبن لادن وغيرهم من معتقدات جلبها معهم من التحق بصفوف المجاهدين خاصة من طلبة العلم الشرعي، ويعتقد صاحب "دعوة المقاومة" أن تصرفاتهم ألحقت ضررا بالغا في تقدم مسيرة الجهاد وعالميته ونفَّرت الكثير منه وتسببت بنزاعات قوية بين المجاهدين كونها انتشرت على مساحات واسعة من ساحات الجهاد. على أن هذا لا يعني إيصاد الأبواب أمام من يلتحق بالمجاهدين إن لم يكن متحصنا بالعلم الشرعي ولكنه في المقابل، وبعد التجارب المريرة، بات ملزما بتلقيه.
   أما على مستوى القيادات فما من سبيل للوصول إلى دفة القيادة في مراتبها الوسطى والعليا خاصة إلا بشروط حاسمة فيما يتعلق بالعلم الشرعي، ولقد لاحظنا في بيانات الرثاء وأشرطة الفيديو التي خصصت لأبي مصعب الزرقاوي حرصها على التذكير بأنه كان طالب علم مجتهد علاوة على كونه القائد العام، وكأن تعيين أبي مصعب أو قبول بيعته ما كان ليتم لولا علمه وصلاحه والثقة الكاملة فيه فضلا عن قدراته الميدانية وبلاؤه في المعارك وإلا ما استطاع قيادة الجماعة في العراق. كما أنه ما من سبيل لإعلان الجهاد في ساحة ما دون أن تكون النواة الأولى على دراية بالعلم الشرعي وإلا فلا داعي لإعلانه، هذا ما حصل بالنسبة لمجموعة تركستان الشرقية التي كان يقودها حسن معصوم قبل سقوطه في معركة مع القوات الباكستانية في وزيرستان سنة 2003. إذ يذكر أبو مصعب السوري أن حسن معصوم كان يخطط للعودة إلى تركستان والشروع بتعليم العلم الشرعي لنحو مائتي مجاهد قبل أن يعلن الجهاد على القوات الصينية التي تحتل البلاد[82] .
 بطبيعة الحال فالاستنتاج الحاسم يكمن في كون قادة الجماعات المسلحة للسلفية الجهادية لا يمكن إلا أن يكونوا على قدر كبير من العلم الشرعي، وبما أنهم خارج سايكس – بيكو فمن البديهي ألا يكونوا قادة أحزاب أو تنظيمات بقدر ما سيكونوا مجاهدين علماء، على أن هذا لا يعني أنهم من الراسخين في العلم، لكنهم ليسوا على جهل، وليس من الحكمة الاستهانة بقدراتهم العلمية وإلا لما استطاعوا أن يرفعوا راية ويعلنوا جهادا ويخوضوه ضد أعتى القوى العالمية ويدعون الأمة له لو لم يكن لديهم قدر كبير من العلوم الشرعية، هذا فضلا عن أن للسلفية الجهادية علماءها العاملين في شتى أنحاء العالم.  
    إذن القيادة ليست مرتبة تنظيمية ولا سياسية ولا أخلاقية، وليست وليدة المصالح والأهواء ولا هي بالوراثة ولا التزكيات بل هي الضرورة الأولى من ضرورات أي مشروع جهادي خاصة وأن ساحات الجهاد تفتقد للعلماء المتخصصين المتفرّغينإلى حد كبير مما يجعل من العلم الشرعي الشرط الذي يحظى بالأولوية القصوى. 
 
II.  التمرس في ساحة الجهاد
    لم تكن هجمات 11 سبتمبر 2001 على أبراج التجارة الأمريكية لتحقق هدفا جوهريا وحاسما أفضل مما حققته في الصميم وهو تقديم قيادة للأمة[83]  بمواصفات غير مسبوقة خاصة وأن الضربات

المزيد


التالي