خريف غزة العاصف
قتال يبحث عن عقيدة
(11)
د. أكرم حجازي
17/2/2009
… وسيتذكر الفلسطينيون وغيرهم ممن شهدها أن معركة مخيم جنين سنة 2001 خلال اجتياح إسرائيل للضفة الغربية كانت الأشرس على أرض فلسطين حتى ذلك الحين، وكانت نذيرا للحروب الإسرائيلية القادمة في فلسطين. خمسون مقاتلا أغلبهم من حركة الجهاد الإسلامي، حيث تعتبر مدينة جنين معقلهم في الضفة، وفي مبادرة منهم، دخلوا مسجد المخيم وعاهدوا الله على قتال اليهود حتى آخر رمق مهما كانت النتائج … وبدأت المعركة الطاحنة مع الجيش الإسرائيلي الذي فقد فيها قرابة العشرين جنديا باعترافه. وتم تدمير المخيم وقتل 500 من سكانه، ولم تنل إسرائيل من المخيم ولا من مقاتليه إلا بعد أن نفذت ذخيرتهم. كان محمود الطوالبة أحد أعظم قادة المعركة، ولما قيل له: "الحرب كرّ وفرّ " أجاب: "هذه معركة فيها كرّ وليس فيها فر ّ". وفعليا كانت معركة جنين الأولى والوحيدة التي لم ينج منها مقاتل ولم يسجل بها جرحى! فمن بقي في المخيم قتل سواء من السكان أو المقاتلين.
أهم ما في المعركة أنها خيضت بمصطلحات ومعايير غير أيديولوجية أو حزبية أو تنظيمية، وكان جليا أن الأداء القتالي اختلف كلية عما سبق من أداء في معارك ماضية. وذات الأمر وقع خلال الحرب على غزة، إذ يشهد جيل النكبة أن ما شاهدوه وعايشوه لم يسبق لهم أن رأوا مثيلا له منذ ما قبل قيام إسرائيل سنة 1948 . وبمقاييس الحروب فإن ما جرى لغزة هي الحرب الأولى والأوسع والأشد وحشية التي تقع على أرض فلسطين، والتي خاض الفلسطينيون فيها قتالا ضد إسرائيل على أرضهم.
في هذه المقالة لا يهمنا التوقف عند نتائج الحرب فيما إذا كانت نصرا أو هزيمة مع أننا نرى أنها بالتأكيد ليست نصرا لليهود ولا هزيمة لحماس. لكن من المهم التوقف عند منطق الحروب السابقة التي خاضتها إسرائيل ضد الفلسطينيين والعرب ومنطق العقيدة القتالية ومنطق الحروب القادمة.
أولا: حروب إسرائيل
إذا ما استثنينا حرب تشرين أول / أكتوبر 1973 التي اندلعت بقرار عربي فقد كانت إسرائيل قبل قيامها هي المبادرة في شن الحروب، وهي المبادرة في شن الغارات والاجتياحات المحدودة أو الواسعة. وفي كل حروبها كانت المدن والقرى تسقط تباعا، وكان اللاجؤون من السكان يفرون بمئات الآلاف من منازلهم ومناطقهم بحثا عن ملاذ آمن. وفي الحقيقة لم يكن المدنيين ليستحقوا اللوم لأنهم أعازل وغير مؤطرين ولا منظمين ولا يمتلكون خبرات قتالية وليس هناك من يدافع عنهم، فحتى الجيوش كانت تفر من مواقعها أو يُطلَب منها الانسحاب بحجة أن المنطقة سقطت عسكريا! أو أنها لا تمتلك سوى أسلحة فردية بالكاد تدافع فيها عن نفسها.
لا شك أن هذا النمط من الحروب كان مريحا لليهود وآمنا. والأكيد أن ما يستبطنه الناس من عقائد اليهود التي لا تقيم حرمة لنفس بشرية دفعهم إلى الخضوع للاحتلال بأبخس الأثمان. والأكيد أيضا أن الأجيال السابقة كانت ثقافتها تميل إلى السلامة والأمن أكثر مما تميل إلى القتال وفقدان الأحبة. والأكيد أن هذا النمط من الحياة يذكرنا بتصريحات إسحق رابين وهو يتغنى بجيشه وهو يحتل الضفة الغربية بـ 500 جندي فقط، وهو عدد لا يكفي للسيطرة على مدينة صغيرة. لكنه كان كافيا لإخضاع مَنْ مُنع من التسلح أو تجرأ على الجهر بمشاعر وطنية.
لكن الحقيقة أن معركة جنين وحرب غزة أثبتتا أن إسرائيل لم تخض، فيما مضى، قتالا حقيقيا مع خصم حقيقي كي نقول أنها انتصرت بفعل تفوقها الميداني أو حتى التكنولوجي. فهي انتصرت فقط لأننا كنا نفر من أمامها ونلتزم البيوت. صحيح أنها احتكرت التسلح كما ونوعا لكنها لم تتعرض لقتال ممن يملكون السلاح وكان باستطاعتهم إيذائها وحتى إزالتها. ومع أن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "نصرت بالرعب مسيرة شهر " إلا أننا هزمنا من اليهود بفعل جدار صوتي لطائرة أو انفجار لقذيفة أو بضعة آليات دخلت قرية أو مدينة أو حتى قبل أن تدخلها!
حتى اليهود كانوا يفاجَؤون بانتصاراتهم السريعة علينا. فقد اعتادوا ممارسة احتلال يسير دون مقاومة أو خسائر كبيرة في صفوفهم الأمر الذي كان يشجعهم على تغيير خططهم وأهدافهم وتوسيع رقعة الاحتلال بقدر حاجتهم أو بقدر ما يسمح لهم الميدان بذلك. ومن المهم، في هذا السياق، ملاحظة بعض التصريحات اليهودية التي سقطت على غير هدى من أحد كبار المحللين في صحيفة معاريف "عوفر شيلح " وهو يعبر للإذاعة الإسرائيلية، بعد بضعة أيام من اندلاع الحرب، عن غضب جامح منتقدا الأداء السياسي للقادة. هذه التصريحات كانت ترى: "أن العملية العسكرية ضد قطاع غزة تدار يومياً بدون تفكير، ووسط تخبط بارز للقيادات الإسرائيلية"!؟ هذه ليست كذبة ولا مبالغة لكنها الحقيقة التي تشي بأن اليهود اعتادوا على إدارة معاركهم بهذه الطريقة قياسا على ما سبق من معارك فإذا بهم يتورطون في غزة.
ثانيا: العقيدة القتالية المضادة
لا شك أن تحرير فلسطين سيكون من الخارج وليس من الداخل. وهذا لا يقلل من مسؤولية الفلسطينيين في الداخل خاصة وأنهم بموجب النص القرآني هم "شعب الجبارين " الذين استودع الله فيهم هذه البقعة المقدسة واختارهم سدنة عليها. وهكذا تبدو المسؤولية عظيمة على المسلمين في فلسطين من حيث أنهم في مواجهة مستمرة ودامية مع القاسية قلوبهم وأصلاب الرقبة بصورة مباشرة لا حواجز بينها أو حجب. والأهم أن هذه المواجهة ستستمر إلى آخر الزمان كما لو أن فلسطين هي مركز الصراع الأزلي بين الخير والشر. ولما يكون زوال إسرائيل هو استحقاق رباني لا مفر منه فهل العقيدة القتالية التي يقاتل بها الفلسطينيون إسرائيل، على فرض وجودها، جزء من هذا الاستحقاق؟
1) الدفاع المدني
من الطبيعي أن يلجأ اليهود إلى منع الفلسطينيين من التسلح ومحاصرتهم من الداخل والخارج والفتك بهم في عمليات إبادة متواصلة، فحتى الملاذ الآمن للمدنيين كان ممنوعا في حرب غزة، ولم يعد المسجد ولا المدرسة ولا المنشآت العامة ولا الساحات ولا المستشفيات آمنة من آلة القتل والدمار، بل أن الطبيعة ذاتها والبيئة لم تعودا آمنتين مع استخدام الغازات السامة والحارقة والفسفورية والداين وغيرها من الأسلحة المحرمة دوليا، بل أن الفرار من ملاحقة الطائرات والقنابل الحارقة والباترة والمدمرة إلى مصر كان ممنوعا .. كانت غزة خلال الحرب أشبه بيوم المحشر حيث لا مفر.
والحقيقة أن الفلسطينيون تلقوا من اليهود طوال عقود الصراع معهم من المعاناة والقهر والتنكيل ما لم تتلقاه أية أمة على وجه الأرض. ولا نظن أحدا جرب ظلم اليهود أو استطاع تحمل عنتهم في لحظة استعلائهم وإفسادهم كما فعل الفلسطينيون. فهم يتلقون إفرازات هذه اللحظة من الزمن أكثر مما تتلقاها أية أمة أخرى. لكن هذا لا يمنع من القول أن العقيدة القتالية في شقها المدني كانت شبه غائبة تماما. ولو كانت المعابر مفتوحة، مثلا، لشهد القطاع نزوحا بمئات الآلاف ولتكررت تجارب الحروب السابقة.
ومنذ اغتصاب فلسطين وإلى يومنا هذا لم يسجل التاريخ قوة عربية واحدة تحركت عسكريا لنصرة الفلسطينيين في فلسطين ولو لمرة واحدة. وهذا يعني أن خيار تدخل الجيوش العربية لا يمكن أن يكون جزء من أية عقيدة قتالية سابقة أو لاحقة. وعلاوة على كون الحدود العربية آمنة منذ عشرات السنين إلا أن الموقف المصري بالذات خلال الحرب على غزة بدا أكثر وحشية من غيره كما لو أنه واقع في صميم العقيدة ال












