خريف غزة العاصف7

كتبهاد. أكرم حجازي ، في 3 شباط 2009 الساعة: 17:27 م

خريف غزة العاصف

عنوان جديد للقاعدة في الجزيرة !

(7)

د. أكرم حجازي

3/2/2009


توقفت ردود الفعل الأولية على شريط: "من هنا نبدأ وفي الأقصى نلتقي - 23/1/2009 " لقاعدة الجهاد في الجزيرة العربية عند التداعيات الأمنية المنتظرة لوحدة جناحي القاعدة شمال الجزيرة وجنوبها بقيادة اليمني ناصر الوحيشي (أبو بصير) ونيابة السعودي سعيد الشهري (أبو سفيان الأزدي). بعض القراءات الرسمية وغير الرسمية حاولت التقليل من وقع الحدث مشيرة إلى أن "الانتكاسة "، باحتساب الشهري فقط، تشكل فقط 1% مقارنة بما أنجزته برامج حملة السكينة من نجاحات في إعادة تأهيل نحو 117 سجينا تلقتهم السعودية من سجن غوانتانامو الذي نقلت إليه الولايات المتحدة قرابة 520 سجينا في أعقاب احتلالها لأفغانستان سنة 2001 . أما المصادر الأمريكية (البنتاغون) فتشك أن نحو 61 سجينا "انتكسوا " واستأنفوا القتال، وهي نسبة إجمالية قريبة من 12%.

الحقيقة أن الحدث مثّل صدمة للأوساط الأمنية السعودية، التي بدأت بإعداد قوائم جديدة لعشرات المطلوبين، خاصة أنها نجحت، إلى حد كبير، في تفكيك الجيل الأول من القاعدة واحتواء الكثير من رجالات الجهاد الأفغاني سابقا، لكن كما يقول والد الشهري فإن ابنه أقسم ألا يعود إلى سابق عهده ومع ذلك لا يدري كيف عاد. وهنا لنا أن نتساءل: كم عدد الذين أقسموا؟ وكم عدد الذين يمكن أن يثبتوا على قسمهم؟ وكم عدد الذين "انتكسوا "؟ لا أحد يعرف، ومن الذي انتكس: الشهري؟ أم برامج الحملة؟. فرغم خضوعه لحملة "السكينة " إلا أن الشهري لم يسكن، مثل زميله الذي لم يسكن لا في غوانتانامو ولا في إيران ولا في السعودية! بل تجول في الأعراس والمناسبات العامة وكأنه يرصد ويتفقد معارفه حتى إذا ما أعد عدته اختفى؛ فإذا به يظهر في شريط "الاندماج " متسببا بعاصفة من ردود الفعل. فهل المشكلة في "انتكاسة " الشهري؟ أم في حدث "الاندماج "؟ هل هي في إعادة بناء التنظيم كما يرى بعض المراقبين؟ أم في كونه العنوان الجديد؟

ليس هناك، على صعيد القاعدة، حدث وقع بالصدفة. فمنذ العام 2006 ظهرت بوادر نشاط حثيث لقاعدة اليمن ما لبث أن تصاعد تباعا حتى بات يشكل أرقا للساسة اليمنيين وحتى للرئيس علي عبد الله صالح نفسه الذي أفرغ كل ما في جعبته من تصريحات منددة بالقاعدة وأفعالها التي تسببت برفع تكاليف الأمن وأعبائه في البلاد دون جدوى. فالمألوف، منذ ظهورها المبكر، أن القاعدة في اليمن تميزت في قدرتها على التحرك والدقة في ضرب أهداف متنوعة ابتداء من المدمرة كول مرورا بناقلات النفط ومصافيه وانتهاء بالسفارات الأجنبية والأمريكية منها على الخصوص فضلا عن التخطيط لهروب جماعي نفذه، بصمت وبراعة، قرابة العشرين عضوا من أعضائها في السجون اليمنية. فإذا ما صنفت هذه النشاطات، بنظر الدوائر الأمنية، نجاحا للقاعدة فهي في المقابل ستعني فشلا أمنيا للدولة.

هذه المقاربة، على أهميتها في بيئتها، يمكن أن تشكل خطورة بالغة إذا ما استعملت في قراءة حدث الاندماج بين جناحي القاعدة. وبحسب المقاربة ستبدو اليمن كما لو أنها القاعدة الأشد أمانا وتحصينا من السعودية لاسيما وأن جغرافيا البلاد الوعرة والكثافة السكانية والفوضى العمرانية فضلا عن مرارة التجارب السابقة وما وفرته من خبرات مكتسبة ستجعل من ملاحقة القاعدة أو حصارها أو التضييق عليها في أحد أوتاد الأرض مهمة بالغة الصعوبة بخلاف ما بدت عليه كلقمة سائغة في السعودية حيث خيارات التخفي محدودة في المساحات المكشوفة وذات العمران المنظم والكثافة السكانية الأقل.

كل التحليلات التي رأت في الشريط مجرد إعادة بناء للتنظيم في الجزيرة تبدو واهية إذا ما أخذنا بعين الاعتبار هذه العوامل. ولعل المسألة أبعد ما تكون عن اندماج بين جناحين أحدهما لم يعد موجودا بالفعل بعد مقتل قادته وأبرز مكوناته البشرية أو اعتقالهم، فعن أي اندماج يجري الحديث خاصة وأن الجناح السعودي بالكاد ينسب تشكيله لاثنين من العائدين بالأمس من غوانتانامو؟! وإن لم يكن اندماجا فماذا يكون؟

على فرض صحة التحليل ما نعتقد فلا شك أنه خيار استراتيجي في الصميم جوهره أن تكون اليمن هي مركز الثقل والقرار والعمل في الجزيرة العربية وليس مجرد الاندماج. والأرجح أن مثل هذا القرار لم يكن وليد الشريط الحدث بقدر ما هو، قطعا، وليد القاعدة الأم مثلما هو، على الخصوص، وليد مخططات قديمة قادها أبو مصعب الزرقاوي وكشفت عنها قيادات لاحقة في القاعدة بما أن العراق يحتل الساحة الأخطر ويتصدر قيادة العمل الجهادي على المستوى العالمي.

ففي لقائه الصحفي مع مؤسسة الفرقان التابعة لدولة العراق الإسلامية (24/10/2008 ) تلقى وزير الحرب أبو حمزة المهاجر السؤال التالي:

· هل لكم أعمال عسكرية خارج العراق كالدول الغربية مثلاً؟ وهل عندكم النية لاستهداف المصالح الغربية؟

فأجاب:

· "… إن كل الدول التي اشتركت في عدوانها على العراق وإجرامها بحق أهلنا هم هدف مشروع لنا … ثم إننا بالفعل نفذنا أعمالاً خارج العراق كثيرة ونخص منها بالذكر العملية الأخيرة في بريطانيا والتي نفذ جزء يسير منها على المطار … لكن نبشر قادة بريطانيا وأمريكا وأستراليا بما هو قادم, فقد منّ الله علينا بما لا طاقة لهم بعون الله برده أو القدرة على كشفه ونسأل الله التوفيق والسداد ".

المهم في الإجابة أن المهاجر تحدث عن وجود نية في استهداف "كل الدول " كاشفا النقاب عن هجوم على دولة أوروبية. ورغم أن القاعدة في العراق هاجمت في الأردن ولبنان إلا أن المهاجر امتنع عن ذكر أية هجمات على دول عربية أخرى. لكن الوحيشي أسرّ للصحفي عبد الإله الشائع في مقابلة خاصة أجراها معه ( نشرت في الجزيرة نت – 26/1/2009 ) أن: "منشأة صافر النفطية والضبة التي استهدفتها القاعدة في سبتمبر/ أيلول 2006 ، ( كانت) بأوامر وتوجيهات من أمير القاعدة في بلاد الرافدين أبو مصعب الزرقاوي ". فهل يعقل أن يكشف الوحيشي عن معلومات بهذه الأهمية دون تنسيق مع قادة دولة العراق الإسلامية أو القاعدة الأم؟ بالتأكيد الجواب بالنفي التام. لكن ما الذي يمكن فهمه من تدخل القاعدة في العراق بتوجيه عمليات القاعدة في اليمن والتركيز عليها؟

يعني بكل بساطة:

· أن قاعدة العراق لها من الثقل والقوة ما يكفي لصياغة استراتيجيات القاعدة في المنطقة برمتها وليس بالعراق فحسب. وفي السياق ليس ثمة دليل أو مؤشر معتبر يؤكد أو ينفي استمرار هذا الدور أو توقفه مع تراجع المشروع الجهادي في العراق.

· ويعني أن تغيرا استراتيجيا قضى، منذ وقت مبكر، بنقل ثقل القاعدة من السعودية إلى اليمن حتى قبل أن يظهر الشهري والعوفي. لكن هذا لا يعني أن القاعدة ستنأى بنفسها عن الوضع السعودي، فقد تلقت وزارة الداخلية السعودية من الجناح السعودي تهديدات صريحة وذات طابع ثأري.

· ويعني أيضا، وهو الأهم، أنه بات للقاعدة في الجزيرة العربية الآن عنوان يمكن التوجه إليه بدلا من تجشم مشاق النفير إلى أفغانستان أو العراق. وهنا قد تسقط كل العوائق التي كانت تحول بين ذوي السوابق الجهادية واستئناف نشاطهم من جديد في ذات المناطق حيث الحراك والتنقل الداخلي لا يستدعيان جواز سفر ولا انتظارا لرفع حظر السفر ولا تكلفة مادية كبيرة. وبالتالي فإن فرض الحظر على السفر لن يعود وسيلة مجدية إذا ما قرر البعض اللحاق بمركز الجزيرة.

· ويعني أيضا عبء أمنيا خانقا على المجتمعين في السعودية واليمن وعلى من يتوجه إليهما، وكذلك عبء أمنيا على الدولة التي ستضطر إلى العمل كما لو أنها في حالة طوارئ فضلا عن أن المهمات الأمنية لها ستكون مرشحة لتوجيه طاقاتها وثقلها إلى جنوب البلاد أكثر من شمالها.

إذن المشكلة هنا ليست في "انتكاسة " الشهري ولا من الشريط الذي أسمي عبثا بـ "شريط الاندماج " ولا من إعادة بناء القاعدة في السعودية ولا ما إذا كانت برامج حملة السكينة فشلت أو نجحت، بل في الإعلان عن العنوان الجديد وما قد يثيره من خشية أمنية إذا ما استجابت أعداد كبيرة من السعوديين له فضلا عما يعنيه ذلك من استئناف للمواجهة انطلاقا من اليمن كقاعدة أكثر أمانا من السعودية. لكن هل لهذا الإعلان علاقة في الحرب على غزة خاصة أنه جاء بعد توقف العدوان بقليل؟

ويستمر تساقط الأوراق …

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : أحوال فلسطين | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

2 تعليق على “خريف غزة العاصف7”

  1. شكراً.. دكتور أكرم..

    القاعدة بعد الاندماج ستشكل شرخاً أمنياً عميقاً على الداخل السعودي ، لأربعة أسباب رئيسية-من وجهة نظري-:

    أولاً: الطبيعة الجغرافية لمقر القاعدة الجديد.. وجميع مناطق الجهاد ذات الطبيعة الجبلية اتسمت بأنها مناطق صراع “طووووويل النفس”..

    ثانياً: يفصل بين اليمن والصومال بحر العرب، والصومال وقعت تقريباً تحت سيطرة حركة الشباب المجاهدين (نفس الفكر والأهداف!)، وقد ثبت فشل الحكومة اليمنية من منع التسلل البحري بين المنطقتين..

    ثالثاًً: أيضاً فشلت الحكومتين السعودية واليمنية من ضبط حدودهما، وعمليات التسلل بين البلدين تتم بكثافة.

    رابعاً: اليمنيون في السعودية لهم انتشار كبير، لكثير من العوامل الاجتماعية المشتركة بين الشعبين، ولذلك يعتبرون (مواطنون درجة ثانية).. وتواجدهم في السوق السعودية عالي جداً، وهذا له أكبر الأثر في توفير الغطاء الآمن للمتسللين من قاعدة اليمن إذا ما وجهت فوهتهم لأهداف داخل السعودية..!

  2. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    بارك الله فيكم أستاذنا أكرم
    المصادفة السعيدة أنكم أكرم ومختص في علم الإجتماع وأنا أكرم طالب أدرس علم الإجتماع



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر
مجهول