بدعوى مكافحة الإرهاب:
راند توصي باحتلال المجتمعات
د. أكرم حجازي
13/8/2008
إسلام أن لاين

بخلاف دراسة سابقة لها بعنوان: ماذا بعد القاعدة 2006 Beyond al-Qaeda أصدرت مؤسسة راند دراسة جديدة نشرت في 29/7/2008 بعنوان: كيف تنتهي الجماعات الإرهابية؟ How Terrorist Groups End? . ومن الواضح أن السؤال يحتاج إلى إجابة إلا أنه ليس هدفا بحد ذاته. فهو، على الأكثر، آلية استقراء لاستخراج ما يمكن إسقاطه على واقع بعينه أو للاسترشاد به في معالجة مشكلة أكثر أهمية وإلحاحا. وفي ضوء الدراسة يمكن أن يكون السؤال المركزي، بلغة الدراسة، هو التالي: إلى أي مدى يمكن الاستفادة من نهاية المجموعات الإرهابية السابقة في القضاء على نموذج القاعدة؟ هكذا بالضبط يمكن التعبير عن جوهر الدراسة والغاية منها. لكن ما هي حقيقة الدراسة وخفاياها؟ هذا ما سنحاول الكشف عنه تاليا.
جواهر الدراسة (1)
المستوى الأول من الدراسة:
1) نهاية المجموعات الإرهابية بحسب معيار الوسيلة المستخدمة
تقول الدراسة أنها عاينت 648 مجموعة إرهابية تواجدت في الفترة ما بين 1968 – 2008. وفي تحريها عن نهاية هذه المجموعات، التي انتهى بعضها فعليا منذ العام 1968 فيما لا يزال بعضها الآخر عاملا إلى يومنا هذا، تبين لها أن:
· 43% منها انتهت بفعل اندماجها في العمل السياسي.
· 10% حققت أهدافها.
· 7% انتهت باستعمال القوة العسكرية.
2) نهاية المجموعات الإرهابية بحسب معيار الوقت
لاحظت الدراسة أن:
· 62% من كل المجموعات الإرهابية انتهت منذ العام 1968، مقابل 32% من المجموعات الإرهابية الدينية.
· المجموعات الكبيرة التي تضم أكثر من عشرة آلاف عضو انتصرت في أكثر من 25% من الأوقات بينما ندر انتصار الجماعات الأقل من ألف عضو.
· في 50% من الوقت انتهت المجموعات بتسوية تفاوضية مع الحكومة. و 25% من الوقت حققت المجموعات الإرهابية النصر .و 19% من الوقت حققت القوات العسكرية النصر عليها وأنهتها .
3) ميزات الوسائل المستخدمة في مواجهة الجماعات الإرهابية
· أجهزة الأمن والشرطة
ترى الدراسة أن الأعمال الشرطية والمخابراتية أظهرت أنها الإستراتيجية الأكثر نجاحاً بخصوص المجموعات الإرهابية التي لا تستطيع أو لن تستطيع التحول إلى عدم العنف، وأن نسبة النجاح بلغت 40%. فالشرطة والخدمات التخابرية لديها تدريب ومعلومات أكثر لاختراق وإفساد المنظمات الإرهابية أفضل من المؤسسات الأخرى كالمؤسسة العسكرية. ولديها تواجد دائم في المدن والحواضر والقرى، وفهم أفضل للبيئة التي ينبع منها الخطر في هذه المناطق، وكذلك قدرة أعلى في فهم الناس هناك والتعامل معهم.
· القوات العسكرية
جماعات التمرد العسكري كانت من أكثر المجموعات الإرهابية قدرة وفتكاً، والقوات المسلحة كانت في العادة ضرورة في مثل هذه الحالات. لكن استخدام القوات المسلحة ضد أغلب المجموعات الإرهابية يعد الوسيلة الأكثر فظاظة.
المستوى الثاني من الدراسة:
1) عودة القاعدة
اعتمادا على ما سبق في المستوى الأول تنطلق الدراسة مما تعتبره دلائل تظهر أن الإستراتيجية الأمريكية بعد هجمات 11 سبتمبر لم تكن ناجحة في تقويض وهدم قدرات القاعدة التي مازالت منظمة قوية ومتماسكة. وأن أهدافها بقيت كما هي.
فالقاعدة قامت بنشاطات إرهابية منذ 11 سبتمبر أكثر من كل ما قامت به في تاريخها السابق. وهذه الهجمات شملت أوروبا وآسيا والشرق الأوسط وأفريقيا. بل أن الطابع الإجرامي للقاعدة طور وضم واستخدم ذخيرة مطورة من العبوات المتفجرة ونمى استخدام التفجيرات الانتحارية. وكذلك تطور الهيكل التنظيمي للقاعدة مما يجعلها عدو أكثر خطورة عن قبل.
2) تغيير استراتيجي
وعليه ترى الدراسة أن عودة القاعدة يجب أن تطلق إعادة تفكير مبدئي أو أساسي في الإستراتيجية الأمريكية المضادة للإرهاب على أن يفهم صناع السياسات أين يعطوا الأولوية لجهودهم. وكنتيجة لما تضمنه المستوى الأول فإن الحل السياسي مع القاعدة غير ممكن لاسيما وأن التحليلات الواردة فيه أظهرت أنه لا يوجد حل عسكري للإرهاب، لذا فإن المنهج الأكثر فعالية هو تبني إستراتيجية من جبهتين أو من شقين:
أولاً: الجهود الشرطية والمخابراتية يجب أن تكون هي العمود الفقري للجهود الأمريكية في أوروبا وأمريكا الشمالية وشمال أفريقيا وآسيا والشرق الأوسط.
ثانياً: القوة العسكرية، وليس بالضرورة الجنود الأمريكان، قد تكون أداة ضرورية في حال انخراط القاعدة في تمرد مسلح. فالقوات العسكرية المحلية ( الجيوش المحلية ) كثيراً ما تكون لديها شرعية أكبر للعمليات من الولايات المتحدة. كما أن لديهم فهم أفضل لبيئة العمليات. وهذا يعني أنه يجب ألا يظهر سوى أثر طفيف جداً أو حتى لا أثر على الإطلاق للقوات العسكرية الأمريكية.
3) المفاتيح الفعالة
في التفاصيل؛ تلح الدراسة على ما تعتبره مفتاحا فعالا لهذه الإستراتيجية الجديدة يقضي بالتوقف نهائيا عن استخدام تعبير الحرب على الإرهاب واستبداله بتعبير ومبدأ مثل مكافحة الإرهاب مثلما فعلت من قبل الحكومة البريطانية وآخرين غيرها. لأن التعبير يجعل الجماهير سواء في الولايات المتحدة أو في غيرها يتوقعون وجود حل لمشكلة الإرهاب في ساحة الحرب الميدانية، ويدفع الآخرين خارج الحدود إلى إعلان الجهاد ضد الولايات المتحدة ويرفع مكانتهم في حين يجب أن يُنظر إلى الإرهابيين، ويوصفوا، كمجرمين لا كمحاربين مقدسين.
كما أن الاستراتيجية الجديدة تشمل عدم السماح بجر القوات العسكرية إلى معارك مباشرة كونها تحقق عكس الهدف الذي ترمي إليه. فهي في العادة تُستخدم بكثافة وتنفر العامة من طبيعتها ذات اليد الثقيلة. أما القوات الخاصة الأمريكية فسوف تبقى مهمة جداً كما هي العمليات العسكرية. ويجب أن تشمل هذه الإستراتيجية الجديدة، أيضا، إعادة توزيع المصادر والاهتمامات الأمريكية على العمل الشرطي والتخابري، وهي تعني أيضاً زيادة الميزانيات.
4) سبب للتفاؤل
تختم الدراسة بقدر لا بأس به من التفاؤل. إذ أن فرص نجاح القاعدة في الإطاحة بأية حكومة قريبة من الصفر. فضلا عن أن القاعدة لديها أهداف غير قابلة للتحقيق عملياً في محاولتها لإزالة أنظمة حكم عديدة في الشرق الأوسط. كما أن التأييد الشعبي الذي تحظى به القاعدة في غالبية العالم الإسلامي لا يتحول إلى تأييد ضخم كما هو الحال بالنسبة لحزب الله في لبنان. وزيادة على ذلك فالقاعدة مستمرة في توسيع قائمة أعداءها. وصنع عالم من الأعداء مع امتلاك أهداف غير قابلة للتحقيق ليس بإستراتيجية انتصار.
خفايا الدراسة ومخاطرها (2)
لا شك أن المطلع على منهجية العلوم الاجتماعية الأمريكية يدرك أنه بصدد بحث إمبريقي (تجريبي) بامتياز. بمعنى أن أصحاب الدراسة تعمدوا النأي بأنفسهم عن الذاتية في الإجابة على السؤال: كيف تنتهي الجماعات الإرهابية؟ تاركين لنهايات التجارب التاريخية الكلمة الفصل في التوصيات. وهكذا تبدو الدراسة متمتعة بقدر كبير من المصداقية والحيادية بما أن: (1) الأرقام هي من يتحدث بلا مواربة، وهي (2) صاحبة السلطان في صياغة التوصيات الملائمة وليس التحليلات أو التنبؤات التي قد تصيب أو تخطئ. لكن إلى أي مدى تبدو الدراسة محايدة فعلا؟ وما قيمة توصياتها وأثرها على الدول والمجتمعات المستهدفة؟
الديمقراطيون أو تواطؤ راند
إننا نطرح السؤال كون المؤسسة التي أنجزت الدراسة، واختارت مسبقا المنهج الإمبريقي انطلقت في التحليل، على ما يبدو، من فرضية لديها ترقى إلى مستوى الإثبات حتى قبل أن يجري فحصها منهجيا في ضوء تجارب الجماعات المسلحة. وهذه الفرضية (المسلمة) تقول بأن القاعدة ما زالت منظمة قوية ومتماسكة، وأن لا حل عسكري لها في الميدان! ولا شك أن هذه ليست نتيجة بقدر ما هي حقيقة تعترف بها المؤسسة مسبقا. بطبيعة الحال سيلاحظ القارئ، بداية أو نهاية، أن الدراسة تتحدث عن فشل استراتيجي أمريكي في التعامل مع القاعدة بعد هجمات 11 سبتمبر، وهذه مسألة تعتبر بالنسبة للدراسة دلائل لا تحتاج إلى إثباتات. فما الذي أرادت الدراسة، إذن، إثباته أو نفيه؟ وبماذا سيفيدها الرجوع إلى تاريخ الجماعات المسلحة؟ هل تريد التفتيش عن آليات جديدة للقضاء على القاعدة باعتبار أن الآليات المعمول بها منذ 11 سبتمبر آلت إلى الفشل؟ أم تريد إثبات فشل السياسات الأمريكية في التعامل مع القاعدة في ضوء التجارب السابقة للجماعات المسلحة؟ وهل استعملت المنهج الإمبريقي لإثبات صحة توجهاتها؟ أم لخدمة توجهات أطراف أخرى؟ باختصار: ما هي خلفيات الدراسة؟
بما أننا لا نمتلك أية معلومات صريحة حول الجهة التي تقف خلف الدراسة فسنلجأ إلى مقاربة المضمون مع كل من سياسات الحزبين الأمريكيين الجمهوري والديمقراطي. إذ لكل منهما استراتيجياته التقليدية التي تميزه تاريخيا فيما يتعلق بشعار أمريكا قوية دائما.
المقاربة الأولى
في خضم العام الجاري ثارت في الولايات المتحدة الأمريكية عاصفة من النقاشات حول مصير القاعدة انقسم فيها الرأي إلى قسمين: أحدهما يقول بأن القاعدة هزمت والثاني يرى خلاف ذلك! وإذا قلنا أن المفكرين الأمريكيين أنفسهم يختلفون حول الموقف من القاعدة فإن ما جاءت به راند ليس سوى تغليب رأي على آخر حتى لو اتخذ طابعا علميا. إذ لا يعقل أن تتحول القاعدة بين ليلة وضحاها إلى تنظيم مهزوم أو منتصر بفعل ما يشبه الجدالات العقيمة التي لم يفلت منها إلا مؤسسة راند!
فالثابت أن الدراسة صدرت على مقربة من انتخابات أمريكية ذات مواصفات مميزة عن سابقاتها، سواء لجهة المرشحيْن والأصول الأفريقية لأحدهما أو لجهة تقييم حالة الاتحاد الأمريكي بعد حربين دمويتين أو لجهة أزمة اقتصاد عالمية خانقة غير مسبوقة بهذه الشراسة وهي تطحن كافة التشكيلات الاجتماعية وتنذر بفوضى عالمية. أما خلاصة ما تدعو إليه الدراسة فيقضي بتقديم متغير الأمن على ما عداه من متغيرات أخرى. ولو عاينا أطروحات الحزبين سيتبين لنا أن سياسات الحزب الديمقراطي تتسم بالتركيز على الأمن والاقتصاد والمال، بينما سياسات الحزب الجمهوري انحازت تاريخيا إلى السياسة الخارجية وشن الحروب ودعم كارتيلات التصنيع العسكري والتكنولوجيا الحربية. ومن الواضح والجلي أن الدراسة، بتغليبها متغير الأمن كأساس لاستراتيجية جديدة، تميل إلى التماهي الصريح مع الديمقراطيين. وهذا يدفعنا إلى التساؤل بجدية: هل أعدت الدراسة بناء على طلب من الحزب الديمقراطي أو إحدى وكالاته؟
الحقيقة أنه ما من شيء يثبت خلاف ذلك. بل أن المؤشرات التي تدعم هذا الاعتقاد كثيرة جدا. فالدراسة تؤشر على أن الديمقراطيين يستعدون لتولي السلطة فعليا، وأنهم عازمون على استخدام أقصى طاقاتهم في الوصول إلى البيت الأبيض عبر الكشف المبكر عن استراتيجياتهم المتوافقة مع كونهم أسياد الأمن القومي الأمريكي تاريخيا. وأن الدراسة ستمكنهم من الضغط على الجمهوريين واستمالة الناخبين الأمريكيين للبرنامج الديمقراطي الذي سيعيد لهم أبناءهم من ساحات القتال أحياء بدلا من الأكياس السوداء. وسيكون بمقدور الديمقراطيين مخاطبة الشعب الأمريكي بكل ثقة واطمئنان ولسان حالهم يقول: إنكم وثقتم بدراسات راند التي نجحت في اختراق الساحة العراقية؛ وها هي راند ذاتها توصي بأن يتقدم الأمن على القوة العسكرية، فما من عذر لإضاعة الفرصة، لذا عليكم أن تختاروا بين الأمن لأمريكا ولكم ولأبنائكم أو انتظار المزيد من الجثث.
إذن الاعتقاد، بوقوف الديمقراطيين خلف الدراسة أو بتواطؤ راند مع الديمقراطيين، أمر وارد فيما يتعلق بالصراع على السلطة. لكن هناك ما هو أكثر من مبرر الانتخابات القادمة، ونقصد بذلك افتراق الحزبين في توجهاتهما السياسية واستراتيجياتهما. وفي السياق ظهر معطى لا نحسب أنه مفاجئ بقدر ما هو مدروس بدقة في المضمون وفي توقيت ظهوره.
المقاربة الثانية
ففي 1/8/2008 ، وبعد يومين من دراسة راند بالضبط، صدر تقرير حاسم عن وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) بعنوان: إستراتيجية الدفاع الوطني. وظهر التقرير كما لو أنه رد عاجل على دراسة راند المحرجة للجمهوريين. وإذا كانت الدراسة قد استرشدت بتجارب أربعين سنة مضت فالتقرير، كما أوضح وزير الدفاع روبرت غيتس ، جاء كـ: محاولة لتطبيق الدروس المستخلصة من الحربين اللتين تخوضهما قواته في العراق وأفغانستان، وهذه إشارة إلى أن الجمهوريين لم يكونوا نيام خلال فترة حكمهم، فلديهم أيضا دراساتهم وتقييماتهم. فالتقرير يخلص إلى الإعلان عن: إستراتيجية عسكرية جديدة تضع الحرب الطويلة ضد تنظيم القاعدة في طليعة أولوياتها في المرحلة المقبلة. بل ومتقدمة على مخاطر حرب تقليدية مع الصين أو روسيا اللتين يتجه التقرير إلى تحييدهما في المرحلة المقبلة وبناء: علاقات شراكة وتعاون معهما بدلا من اعتبارهما عدوا. ودعا التقرير: إلى التعاون مع الدول الحليفة والشريكة من أجل المساعدة على تقليص المناطق الخارجة عن السيطرة في العالم، وبالتالي حرمان المتطرفين من معاقلهم. وأكثر من ذلك فقد أفاد التقرير: إن الانتصار في الحرب الطويلة ضد الحركات المتطرفة والعنيفة سيشكل في المستقبل المنظور الهدف المحوري للولايات المتحدة. واعتبر أن: البيئة الإستراتيجية التي تواجهها الولايات المتحدة في المستقبل المنظور: ستحددها مكافحة شاملة لأيديولوجيا متطرفة وعنفية تسعى لقلب النظام العالمي. ومن الواضح أن التقرير بني على استراتيجية القوة العسكرية ولم يحد قيد أنملة عن استراتيجيات الجمهوريين المعتادة بعكس الدراسة التي بنيت على استراتيجية القوة الأمنية.
وبهذا المعنى يسهل الاستنتاج بأن الدراسة ذات دوافع سياسية بحتة أكثر منها استراتيجيات جديدة. فالجمهوريون الذين يبدو أن الدراسة أغاظتهم حتى نخرت عظامهم عجلوا بصدور تقريرهم للتأكيد على استراتيجياتهم التقليدية ذات النزعة العسكرية التي لا تقل تطرفا عن المطحنة الأمنية لدى الديمقراطيين.
ومع ذلك لدينا ما يكفي من المؤشرات للاعتقاد بأن الدراسة لن تؤثر كثيرا في مجرى الانتخابات الأمريكية لاسيما وأن الجمهوريين لم يفرطوا بالأمن ولا بأدواته فيما يخص حربهم على الإرهاب طوال فترة حكمهم، إذ أن تصريح الرئيس الأمريكي بعد هجمات 11 سبتمبر (إما معنا أو ضدنا) لم يكن ليستثن أية آلية عمل ممكنة كالتي ذكرتها راند في دراستها مثل: أعمال بوليسية مخابراتية دقيقة وحريصة، قوة عسكرية (حربية)، مفاوضات سياسية، عقوبات وتضييقات اقتصادية، السابقة ولا التعميمات الأمنية ذات الطابع العالمي أو التدخلات الحثيثة أو الاغتيالات الموجهة عن بعد أو افتتاح مكاتب للسي آي إيه أو الإف بي آي في البلدان العربية والإسلامية تقع خارج السياق بما في ذلك دراسات راند السابقة حول احتواء الجماعات الاسلامية سواء في العراق أو خارجه. ولعل الاجتماع الشهير لوزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس مع رؤساء أربع أجهزة مخابرات عربية يقع في الصميم من الفعل الأمني المكثف الذي انتهجه الجمهوريون. فعلامَ يزاود الديمقراطيون، إذن، على الجمهوريين في المسائل الأمنية؟
استراتيجيا الاحتلال الاجتماعي
مع ذلك ليس من الموضوعية التعامل مع الدراسة عبر حشرها في زاوية سياسية وإسقاط مضامينها من أية حسابات حتى لو أنجزت لصالح طرف معين أو بناء على تواطؤ أو أجندة سياسية. إذ تبقى راند واحدة من أهم مؤسسات البحث العلمي المؤثرة في القرار السياسي وحتى في الرأي العام. لذا فإن تقصي مفاعيل الدراسة في المدى المنظور ممكن من زاوية المعطى الأهم فيها خاصة ذاك الذي يتحدث، من جهة، عن: إعادة ترتيب للأولويات، ومن جهة أخرى عن: المفاتيح الفعالة في الاستراتيجية الجديدة. وهذا يعني أن الفشل الاستراتيجي، منذ سبتمبر، ليس ناجما عن استعمال القوة العسكرية بحد ذاتها بقدر ما هو نتاج خطأ في ترتيب الأولويات التي أدت إلى تقدم خيار على آخر دون حساب لمستوى الفعالية.
هنا بالضبط يقع الجديد في الدراسة، وهو ما تريد راند قوله في الصميم رغم أنه لم يتم اختباره بعد. إذ أن تَقدُّم الخيار الأمني على الخيار العسكري هو أمر جديد تماما خاصة وأن الديمقراطيين لم يجربوا حظهم في الحرب على الإرهاب منذ وقوع هجمات 11 سبتمبر. إذ خضعوا، كغيرهم من القوى، لسياسة التخويف الجمهورية التي ألجمت الجميع وحبست الأنفاس. ولأنه جديد فما من معطيات قابلة للاستقراء والتحليل. وهذا مؤشر على أن الخيار برمته هو افتراض يحتاج إلى المزيد من الاختبار والتحقق وليس بالضرورة أن يكون صحيحا بناء على تحليلات كمية تاريخية. بل أن المزج بين المسألة الأمنية والمفاتيح الفعالة ليس جديدا إلا إذا اعتمد كأولوية استراتيجية كما تطرح الدراسة. وحينها فقط علينا أن نتوقع مولد كارثة ستحل بمناطق التدخل الأمريكي.
فالمتمعن في الدراسة سيخرج بانطباع متين أن حربا ضروسا من نوع مختلف قادمة ولا شك، وأيا كانت المبررات والحيثيات فالأكيد أنها حرب مقلقة على كل صعيد بما أنها ستستهدف الفرد والمجتمع والدولة التي ستتعرض إلى ضغوط مكثفة ستقلص من هوامش حراكها الداخلي بحيث تشعر أنها باتت مهددة كلما غدت مؤسساتها مستباحة للاستراتيجيات الأمريكية وهوى صناع القرار في البيت الأبيض. فالجيوش وأجهزة الأمن والشرطة ستنتقل من حالة التعاون بين الدول، في أحسن الأحوال، إلى مجرد أدوات تنفيذية للسياسات الأمريكية. وإذا ما نفذت الاستراتيجية الجديدة، بهذه الطريقة، وهي واقعة جزئيا على كل حال، فستمارس الولايات المتحدة نوعا جديدا من السيطرة والاستعمار لم تشهده البشرية من قبل. لأننا سنكون على موعد ما يمكن تسميته بـ: الاحتلال الاجتماعي.
في الاستعمار التقليدي عايشت الشعوب الضعيفة تدخلا عسكريا عنيفا انتهى بالسيطرة على بقعة جغرافية معينة والتحكم في مصيرها. وفيما عدا حاشية المستعمر المحلية المنتفعة من الاحتلال السياسي والتي لا تزيد نسبتها، في العادة، عن 6% من عدد السكان اختارت الغالبية العامة من السكان مقاومة القوة الغازية بشتى الوسائل المتاحة. وفيما عدا حالات معينة فقد انتهت الحركة الاستعمارية بالانسحاب المباشر عن الأرض والشعب. لكن الحركة الاستعمارية الجديدة التي دشنتها وتقودها الولايات المتحدة الأمريكية أظهرت ملامح احتلال تستهدف المجتمع بالذات ناهيك عن الدولة. والطريف في الأمر أن قسما من السكان والقوى السياسية هو من هيأ لنجاح هذا النوع من الاحتلال إما عبر الترحيب به أو بالتحالف معه أو بالتملق إليه والقبول به والترويج لسياساته واستراتيجياته. بل والأسوأ أن القوى المحلية غدت تتصارع فيما بينها على خدمة القوى الأجنبية والتقرب منها وحتى الاتصال بها باعتبارها جزء من الحل وليست المشكلة. ومثل هذه الحالة ظهرت في فلسطين ولبنان نسبيا، لكنها ظهرت في العراق بأوضح صورها سواء في صفوف الطوائف كالشيعة أو السنة أو في صفوف القوميات كالأكراد والعرب. وهذا يعني أنه ما من تشكيل اجتماعي أو سياسي أو اقتصادي أو ثقافي أو أمني أو عسكري أو مذهبي أو ... بمنأى عن التعرض لاحتلال يمس الفرد والجماعة والطائفة والقبيلة والعائلة والمؤسسة والحزب .... إلخ
هذا النموذج من الاحتلال هو الذي تسعى الاستراتيجية الجديدة إلى تعميمه عبر ما يسمى بالمفاتيح الفعالة لـ تقليص ما يراه حتى الجمهوريين بـ: المناطق الخارجة عن السيطرة في العالم. ولا شك أنه النموذج الأخطر على مصير الأمم والأربح بالنسبة للأمريكيين خاصة وأنه سيمكنهم من دفع التكاليف من جيوب الناس ودمائهم وأوطانهم وعقيدتهم وتاريخهم ونسيجهم دون أن يخسروا الكثير. بل أن الاستراتيجية الجديدة تحرص على عدم السماح للقوات العسكرية بالانجرار إلى قتال مباشر، وعلى إخفاء مظاهر القوة الأجنبية عن أعين المجتمع المحلي كي لا تتسبب بأية استفزازات لها قد تدفعها إلى التمرد والمقاومة، وعلى استغلال كافة الطاقات المحلية لتحقيق الأغراض الأمريكية من وراء ستار. ولا ريب أن الدراسة في ترويجها لهذا النوع من الاحتلال تستفز المراقب حقا، خاصة وأنها، وللأسف، تتعامل مع المجتمعات المستهدفة كمجتمعات بدائية تسكنها شعوب مغفلة، ولهذا تراها تسهب فيما توصي به دون أن تحسب حسابا لأية ردود أفعال.
أخيرا، وبحسب الدراسة، يبدو أن الأمريكيين مدركون لأولوياتهم أو أن عليهم أن يدركوها. بينما نحن، في أحسن الأحوال، جزء منها. كما أن الأمريكيون متفائلون في القضاء على القاعدة لأكثر من سبب. وفي المقابل كان لدينا ولا يزال ألف سبب وسبب للتشاؤم من القادم.
في الوقت الحاضر فإن أغلب التشكيلات الاجتماعية ليست صديقة للولايات المتحدة. لكن استراتيجية الاحتلال الاجتماعي القائم على الاستيطان الأمني الواسع النطاق ستؤدي قطعا، في وقت من الأوقات، إلى انقسامات اجتماعية شديدة الخطورة، كما أنها استراتيجيا تنذر بانخفاض حاد جدا في سقف الحريات والشعور بالأمان الفردي والاجتماعي رغم أنها تتحدث عن عمليات دقيقة. ويبقى السؤال الجوهري الذي يحتاج إلى إجابة صريحة هو: هل ثمة من يعتقد أن المجتمعات العربية والإسلامية محصنة تجاه احتلال من هذا النوع؟ سؤال للبحث. لا بد وأن يتطوع أحد للإجابة عليه بدون تحيز أو مكابرة، وإلا فلنستعد لاستشارة أحد فروع راند المحلية قريبا.
· رابط ملخص الدراسة باللغة الإنجليزية
http://www.rand.org/pubs/monographs/..._MG741.sum.pdf
· رابط الدراسة كاملة
http://www.rand.org/pubs/monographs/2008/RAND_MG741.pdf
كتبها د. أكرم حجازي في 08:50 صباحاً ::
انتهى عصر التنظير والتأطير وإسقاط الفلسفات على الواقع وبدأت راند باللجوء إلى الاحصاءات والنمذجة الإمبيريكية (Empirical Modeling).
حسنا إذا... فها هو الغرب يعلن فشله في التنظير الذي هو روح العلوم ويتمحور حول الاستقراء البياني للأحداث والذي هو نوع من الاستطراد القسري المنبني على افتراض تشابه الخواتيم والنتائج عند تشابه المقدمات والظروف.
هذه طريقة عرجاء يلجأ لها العلماء عند عجزهم عن إبداع نظريه علمية مثبتة إثباتا يقينيا أو شديد التأكيد يربط النتائج بالمعطيات والظروف.
ولكن هل كانت راند محايدة وموضوعية فعلا في رصد حالة القاعدة؟
هل استطاعت أن تفسر انفراد حالة القاعدة بأنماط تفاعلية فريدة (ما يسميها المؤمنون معجزات التأييد الإلهي ويسميها مهرطقوا الغرب بالقوى الخفية)؟
هل جرؤت أن تناظر بين منطلقات ومنهجيات القاعدة ومنطلقات ومنهجيات فجر الإسلام؟
هل جرؤت أن تدرس حالة الصعود الإسلامي من الحقبة المكية إلى الحقبة الامبراطورية؟
هل أنصفت بالخلط بين القاعدة وباقي "التنظيمات الإرهابية"؟
هل أنصفت في الخلط بين الإسلام وبين باقي الأديان عند مناظرة القاعدة بعموم الإرهاب الديني؟
هل تطرقت لدراسة الحالة الفريدة للإسلام التي تجعله غير قابل للحصار في مجموعة أو منطقة بعينها؟
لا لم تفعل أي من هذه الخطوات التي يمكن أن تجعلها موضوعية ومحايدة.
إنها تعلم أن دراسة الإسلام وحالته الفريدة ليست في مصلحة الكفر وحالته المزرية.
لقد قام علماء كثر بدراسات علمية مضادة لإتجاه هذه الدراسة البائسة للإجابة على السؤال الأهم "كيف تنتهي الإمبراطوريات الفاسدة؟"
حاول أكثرهم إسقاط النظريات الإجتماعية والاستراتيجية الراسخة وحاول بعضهم المناظرة بينها وبين الامبراطورية البريطانية (بدءا وانتهاءا مرورا بشتى المراحل الآنية) ومنهم من احتكم إلى القواعد الدينية والأخلاقية وهؤلاء أظهروا تفوقا ملحوظا رغم عدم امتلاكهم أدوات العلم المادي الملموس والتجائهم للغيبيات والعموميات ولكن تفوقهم نبع من توحد كل منطلقاتهم شديدة الاختلاف على نتائج محددة ودقيقة.
فرغم إنكار كل الأديان بعضها لبعض وتضارب مصادر الأخلاقيات والطوبويات العامة مع بعضها البعض إلا أنّها اتفقت بإجماع نادر على استشراف نهاية الامبراطوريات الطاغية الفاسدة بشكل معين يصنع عبرة واضحة ودرسا بينا بدلا من الاكتفاء بتسجيل حدث تاريخي.
عندما يستسلم مفكروا الغرب إلى الإحصاءات لاستقراء المستقبل ويكفروا بما صدعونا به من نظريات "صدام الحضارات" و "الفوضى الخلاقة" و "نهاية سلم التطور التاريخي" في أقل من عقد واحد من الزمان فيجب أن نستشعر حجم الهزيمة وأبعادها.
فالهزيمة التي تلجئ المهزوم ليس فقط للتخلي عن منهجياته واستراتيجياته ولكن لطريقة تفكيره وجوهر اعتقاده لهي الهزيمة الكاملة.
عموما هذا ليس نهاية المطاف في تسجيل ملاحظاتي على ما بين سطور دراسة راند. ولكن كان هذا الجزء التقريري الموضوعي والآن إلى الجزء الاجتهادي الاستنباطي:
أستطيع الحكم بسهولة على العقلية المنتجة لهذه الدراسة بأنها عقلية ذات تفكير رغبوي وليست عقلية علمية تجريبية موضوعية محايدة وينبني هذا الحكم على أدلة متعددة:
الأول: الخلط السقيم بين القاعدة وما عداها وبين الإسلام وما عداه في وقت وقف العالم كله على أطراف أصابعه يراقب بدهشة عجائب الإسلام التي طوى النسيان أشراطها وغيبتها سلاطين الكفر عن وعي رعاياها.
ثانيا: التفاؤل الساذج بعجز القاعدة عن تغيير الحكومات المحلية في حين أن العالم أجمع أصبح يعلم أن هدف القاعدة هو العالم كله وليس بلدان المسلمين فقط.
ثالثا: الخلط بين حزب الله الذي أصبح العالم كله يعلم حقيقته وبين ظاهرة القاعدة.
رابعا: التفاؤل بأعداء القاعدة التي اجتهدت مخابراتهم في شراء ذممهم مع علمهم بعدم القدرة على الاعتماد عليهم لكونهم مرتزقة نبتت على فتات الموائد.
خامسا: الحكم على أهداف القاعدة باستحالة التطبيق وهذا منتهى الشلل الفكري والتقوقع حول الذات. ولعل معدّي الدراسة متأثرون بهوس السينيما الأمريكية التي ترسخ في أذهان ضحاياها حتمية نجاة البطل وانتصاره وتترك لرغبات المشاهد المكبوتة مهمة الربط بين حاله وحال البطل. فترى انفجارا صهر الحديد ومزقه فتقشر عن رجل من لحم ودم يخارج من أتون الحريق ينظر بلا مبالاه إلى أشلاء الحديد المهزوم أمام اللحم "السوبر."
هذا كان اجتهادي في الحكم على الدراسة ومعدّيها والآ إلى البشارة:
لم يلجأ أحد إلى الكذب على النفس إلا وهلك سريعا وهؤلاء يتعمدون تجاهل أقوى نقاط قوة عدوهم ويتشاغلون بدراسة أوهام كاذبة انطلقت من مقارنات غير منطقية.
الهلال
بسم الله الرحمن الرحيم
و الحمد لله رب العالمين مالك الملك مقلوب الامور الرافع الخافض و الصلاة و السلام على صاحب العزم العظيم و على آله و صحبه أجمعين و بعد
فإن الحرب بين الجهاديين السلفيين و دول الطغيان متقلبة فهي سجال يوم لهم و يوم عليهم فمنذ أن صدع سيد قطب للجاهليين بحقيقتهم و الحرب مشتعلة تغذيها دماء هؤلاء و هؤلاء و قد تميل الكفة أحيانا على هؤلاء المجاهدين حتى يظن المتابع ان نهايتهم اقتربت و ان هي الا جولة او جولتان حتى لا يبقى لذكرهم أثر و لكن ما هو الا قليل حتى يعتدل الميل و تتوالى ضربات المجاهدين في هجوم كاسح حتى يرى الراءون هؤلاء الطواغيت و أذنابهم و هم مشمرون على سيقانهم لا يلوون على شيء قد أخذهم طوفان أهل الحق ثم لا تلبث الأمور أن تعود مرة في صعود ومرة في هبوط فالحرب ليست يوما واحدا و لا جولة فريدة إنما هي أيام و أيام طويلة صعبة مليئة بالفرسان و الرجال من الطرفين و بأسماء تعلو بالغة عنان السماء و اخرى تهوي الى قرار سحيق و يفرح هؤلاء بقتل بطل صنديد و يرتاع هؤلاء من نسف مدمر و قد رأينا طواغيت مصر كيف بلغ بهم الفرح بعد قتلهم لسيد قطب رحمه الله و اصحابه وانزالهم لاشد العذاب بالبقية من اصحابه لكن هل انتهى هؤلاء هل ذهبت ريحهم و في ذلك العهد لم يكن على وجه الارض من الجهاديين سوى هؤلاء الرجال الذين يعدون على الاصابع و قد قتل معظمهم اعداما فلم يبقى منهم سوى افكارهم فهل ذهبت ادراج الرياح ام كانت افكار سيد قطب رحمه الله نسمة ريح طيبة ما تركت نفسا مؤمنة الا دخلتها و تغلغلت في اعماق روحها فصنعت منها رجالا لم تعرفهم الدنيا رجالا من مدرسة الانبياء اخوان محمد الذين بشر بهم رسول الله صلى الله عليه و سلم و الثلة الاخيرة من المؤمنين رجال يعيشون للاسلام و بالاسلام و للاسلام لا تلهيهم لا تجارة ولا اولاد ولاجاه ولا مال ولا خوف و لا دنيا يصدعون بالحق صدوع محمد صلى الله عليه و سلم غرباء آخر الزمان الشرذمة القليلون فبعدما كانوا محصورين في قرى مصر الطيبة خرجوا الى الدنيا كلها فإن قتل الطاغوت لهم سيد قطب فقد قتلوا به كفء غير كريم و كان رجل برجل و سيد بفرعون مصر نفسه فليت عبد الناصر و صحبه شهدوا جزع الكفار من وقع الاسل و بعد هذه الموجة المباركة و الدماء الزكية جاء طوفان الجهاد الافغاني فحمل تلك النسمات الطيبة مع الريح و طار بها الى جبال هندكوش و جلال اباد و ذرى قندهار المباركة فحولت تلك النسمات الطاهرة بلاد الافغان الى يثرب جديدة تركت صداها يدوي في ربوع الدنيا كلها فأسقطوا في جولة كجولة القادسية و نهاوند ثاني اكبر الامبراطوريتين في هذا الزمان فهوت قلاع ماركس و لينين و ما كان لها ان تسقط لولا معاول رجال كالمثنى و النعمان و قد هال الحدث شياطين الارض فقد سقطت كابل في وقت كادت تهوي فيها الجزائر سلما دون قتال و في وقت اشتدت فيها ضربات المجاهدين في مصر فتداعت امم الكفر معلنة جولة جديدة من الحرب مستعملة فيها كل قوتها و مكرها فاستطاعت ان تسكتهم في مصر الى حين بفقه التعذيب والسلخ والتراجعات و الاستسلامات و كادت تقضي عليهم في الجزائر بعد ان خاضت معهم حربا في غاية القذارة و اخلطت الامور عليهم في افغانستان و ضربتهم ببعضهم مشعلة بينهم النعرة العصبية و بدا للناس ان المعركة قد حسمت و ان الجهاديين انتهوا لكن نصر الله يأتي من حيث لا تحتسب فبعدما طرد المجاهدون من الارض المباركة و بعد أن سلمهم رباني وسياف و مسعود و مشرف الى مقاصل امريكا و حلفاءها و بعدما اقفرت بلاد الخير منهم سطع نجم الطالبان مكتسحا البلاد طولا و عرضا و لولا دعم الاعداء لمسعود لما صمد في حصنه كثيرا و جاءت البشرى من هناك باعلان الجبهة الاسلامية العالمية لمقاومة اليهود و الصليبين و من بعدها قاعدة الجهاد الكبرى فاستمرت ريحهم في هبوب حتى اقتلع اعصارهم اهرامات نيويورك من جذورها في لحظة استدار فيها الزمان كلية و انحرف عن مساره 180 درجة كاملة في ضربة فاقت في حقيقتها أغرب القصص إيغالا في الخيال ضربة لم تستفق امريكا و حلفاءها من هولها بعد و لو تمكن المجاهدون من ارداف اخرى بها لتهاوت ولايات امريكا كورق الخريف الاصفر ثم جاءت الحملة الصليبية الكبرى فسقطت كابل و قندهار و جلال اباد و خوست و قندز و بدا للعيان كأن حكومة طالبان لم تكن الا حكومة من كرتون و شمت الشامتون و قال المنافقون اين المجاهدين الذين زعموا انهم هم الذين انتصروا على الاتحاد السيوفياتي دون مساعدة امريكا ؟؟؟ وكانت الضربة الامريكية قوية جدا ضربة خنزير جريح يخبط بلا شرف ولا فروسية ولا مروءة يلقي القناطير المقنطرة من القنابل المحرمة دوليا دون تمييز بين النساء و الاطفال و الشيوخ و الابرياء و العزل بل بلغ به الهوس ان اعتقل كل من وجده في طريقه حتى المجانين و الرعاة كل من له لحية و عمامة و كل البشتون لهم ذلك و اختفى الملا عمر و اسامة و ايمن لم يظهر لهم أثر بين قائل انهم قتلوا و بين قائل انهم فروا لا يلوون على شيء و طال الصمت بالمجاهدين حتى فتحت شهية بوش الامبراطور الروماني المجنون فقرر التثنية بالعراق ألم تسقط افغانستان في يومين ؟؟؟ فانقض هو و حلفاءه على بغداد وكم كانت الدهشة عظيمة فلا المدفع العملاق ولا النووي و لا الكمياوي ولا العباس و لا الحسين و لم يرى الناس من اقوى جيش عربي صنعه هؤلاء القوميون شيئا و سقط تمثال ضدام و سقطت معه اخر قطرة كانت قد تبقت عند العرب الحالمين و استسلم الجميع لامريكا التي بدأت تخطط لاكمال مشروعها الكبير في الشرق الاوسط و خلت الساحة من كل صاحب عزة و أنفة و لكن أسدا هصورا من أسود افغانستان تسلل هو واشباله الى كردستان قاطعين فيافي هيرات وبلاد المجوس و ما ان قال بريمر و رامسفيلد ان الحرب انتهت و ان المشروع الامريكي قد حقق نجاحا باهرا و ظن ابن العلقمي ان عاصمة الرشيد و المتوكل قد صارتا غنيميتن باردتين للزنج و القرامطة حتى ثارت براكين ابي مصعب ناسفة احلام ابن العلقمي و رامسفيلد والبوكيمون و تبخرت قوة امريكا و ظهرت حقيقة رامبو عارية تماما
و تساقط خراف المراينز كما تتساقط ذنوب المؤمنين بعد التوبة و الوضوء و بعد الرفع من السجود و الركوع و لم يعد احد يهتم بعدد الساقطين و لا بعدد الطائرات الهالكة ولا بعدد الدبابات المنسوفة
و عاد الاسود الى الظهور في جبال قندهار و بدأت عواصم أوروبا تنفجر هنا و هناك و بدلا من قاعدة واحدة ظن الجميع انها انتهت
فاذا بالجميع يستيقظ على قواعد و امارات في المشرق و المغرب فقاعدة في افغانستان و قاعدة في الجزيرة و قاعدة في المغرب الاسلامي و قاعدة في ارض الكنانة و قاعدة في بلاد الشام و دولة في العراق و امارة في افغانستان و امارة في القوقاز و قاعدة في اقاصي اسيا و كلها مترابطة بخيوط لا ترى و سلاسل لا تقطع فبينما تعجز مخابرات الجن عن تحديد اماكن طيور الجنة الرابضة في اعشاشها على رؤوس الجبال و هذا رغم ما لها من قدرة على استراق السمع و رغم ما لها من عيون ترى حتى ما يتحرك تحت ارض المريخ يستطيع هؤلاء الطيور نسج علاقات طويلة عريضة فيما بينهم رغم البعد و العيون والاعداء ففي الوقت الذي لا يعرف احد من الناس في مشارق الارض و مغاربها من هو ابوحمزة المهاجر او ابوعمر البغدادي يعلن اسامة بن لادن من مكانه الذي لا يعرفه احد انه يعرف ابا حمزة و ابا عمر و المواصلات بينهما عاملة ففي الوقت الذي ظن الجميع ان اباسليمان العتيبي في العراق اذا بالقاعدة تعلن استشهاده في افغانستان و يتكلم الشيخ عطية الله عن الكربوليين كأنه عاش بينهم فهل هو في ديالى او الموصل ام هو في وزيرستان و يخرج الحكايمة في القنوات الفضائية جالسا في جنة خضراء متوشحا سلاحه لا يعلم احد اين هو ؟؟
و زيادة على هذه القدرات العجيبة على التخفي و التنقل و الطيران نسج هؤلاء الاسود على الانترنت شبكة اتصالات و اعلانات في غاية العجب فكيف تنشر الافلام و من اين تذاع و تشاع من هم هؤلاء العباقرة الجالسون وراء الحواسيب المحمولة و الحاملين للهواتف النقالة و من يشاهد الظواهري و هو جالس في مكتبه الضخم يقول متعجبا اهذه هي الكهوف في افغانستان ؟؟؟ و بعد ان كانت رسائله تستغرق وقتا في الوصول اصبحت في المدة الاخيرة متزامنة مع الاحداث مما يدل على راحة تامة وكفاءة عليا في الادارة و سرعة كبيرة في التحرك و هذا كله يدل على نقلة نوعية كبرى في حركة القاعدة و قدرة على الانتشار وخبرة عظيمة بحروب الكر و الفر فهي تتريث و تهدأ كالاسد قبل انقضاضه على فريسته بعد ان تكون اطمأنت كل الاطمئنان من ناحيته و هذا ما نراه هذه الايام في العراق فبعد ايام طويلة من المعارك نرى دولة العراق الاسلامية تستريح قليلا ملتقطة انفاسها و كعادة الحمقى و الجهلة تراهم يخرجون معلنين انهزام القاعدة في العراق و لكن من تتبع سيرتهم عرف تريثهم و قد ظن الجميع في الجزائر و خارجها انه يستحيل على الجماعة السلفية الصمود و كيف تصمد و قد وصفت بأبشع الصفات كارتكاب المجازر و السلب و النهب و السبي وتعرضت لاغراءات كبيرة جدا في حالة الاستسلام و تعرضت لابشع الهجومات من علماء الامة بوصفهم لها و لامثالها بالخوارج و الازارقة و الحرورية و قد قال قال احد قادة الجيش في سنة 1995 انه لم يبقى من الارهاب الا بقايا قليلة جدا و لكن بعد ثلاثة عشر سنة لم ينتهي هؤلاء البقايا و قد تفاجأ الجميع بهذا النفس الطويل الذي عادت به الى الحياة في ثوب القاعدة بعد فترة ظنها الجميع انها موت محقق فميزة هؤلاء السلفيين الجهاديين القدرة على الصبر و التأقلم و التطور و الانتقال بسرعة عجيبة من الضعف الخطير الى القوة الخطيرة و مما يساهم بشكل كبير في استمرار تدفق الدم في شرايين هؤلاء الناس هو انهم يتشجعون ببعضهم فاذا انهار فريق منهم في جهة ما انتعش و نهض فريق أخر في جهة أخرى فيتدفق الدم من النشيط الى الجريح فيستفيق بسرعة و يتعافى و هذه صفة ثابتة و دائمة فيهم و لم يحدث ابدا ان انهاروا جميعا في كل الجهات و لم يحدث مطلقا و ان سقطت الراية بل هي مرفوعة تداول في المشرق و المغرب كلما قطعت يد حملتها أخرى فكما ظن الجميع عندما سقطت بغداد في يد التتار ان نهاية الاسلام حانت اذا بالراية ترفع عاليا بيد قطز في ارض الكنانة و كما ظن الجميع ان الاسلام انتهى بسقوط الاندلس اذ و في نفس الايام سقطت القسطنطينية في يد اسود الاناضول من المسلمين الذين تفاجأ بهم رعاة الخنازير الذين ظنوا انهم تخلصوا من المورسكيين فاذا بهم يجدونهم وراءهم على اعتاب فيينا و كما لم يتوقف الجهاد في الجزائر ضد فرنسا طيلة قرن من الزمان و كما لم يتوقف احفاد شامل في جبال القوقاز و كما لم تسقط البندقية في فلسطين و كذلك قال رسول الله صلى الله عليه و سلم و صدق فالجهاد باق الى يوم القيامة و لا تزال طائفة من هذه الامة تقاتل على هذا الدين واقول لكل من ظن ان الخيل قد جنبت و ان السيوف قد كسرت و اغمدت كذبتم الان جاء القتال و ما هو قادم لا يقاس امامه ما مر فالملاحم على الابواب و العقد يكاد ينحل و ما هو الا ان تنتصر قاعدة من القواعد الجهادية حتى تبدأ حبات العقد في التساقط تباعا و لن يخذل الله الملا عمر فإن يكن في الامة ولي لله فهو و من ترك شيئا لله عوضه الله خير منه وكما رفع دين الله عاليا امام كل الدنيا فأنا على يقين تام من أن الله سيرفعه عاليا جدا فما قام به لا يقدر عليه الا نبي او صديق و لم يبقى امام وفاءه وفاء ولا امام مروءته مروءة و لا امام جهاده جهاد ولا امام يقينه يقين و لا امام دليله دليل ووالله لا أكذب ان قلت انه سابع الخلفاء الراشدين و لو كان من الزمن الماضي لحفلت كتب العظماء بمآثره لكن الناس لا يعرفون قدر الرجال و كيف يعرفون و هم قد كفروا بالانبياء و الرسل و هم بين اظهرهم و لكن لابد للعظمة ان تعلو فهذه بشارة ازفها لهذه الامة ورحم الله ابا خيثمة وابا ذر و عمير بن وهب فمن يصل متأخرا خير من أن لا يصل أبدا
جزاك الله خير د اكرم حجازي على هذه القراءه في دراسه راند ,
واحب لو تعلق على التعليق الأول الذي اورده الكاتب الهلال جزاه ربي خيرا والذي يعد فعلاً وكأنه دراسه مضاده لدراسه راند تنقض كل مبدأ إعتمدت عليه راند في دراستها , ولقد اورد نقاطاً عديده تستحق التعليق الذي ارجوا ان يكون منك وهي :
1- انتهى عصر التنظير والتأطير وإسقاط الفلسفات على الواقع وبدأت راند باللجوء إلى الاحصاءات والنمذجة الإمبيريكية (Empirical Modeling).
2- حسنا إذا... فها هو الغرب يعلن فشله في التنظير الذي هو روح العلوم ويتمحور حول الاستقراء البياني للأحداث والذي هو نوع من الاستطراد القسري المنبني على افتراض تشابه الخواتيم والنتائج عند تشابه المقدمات والظروف.
هذه طريقة عرجاء يلجأ لها العلماء عند عجزهم عن إبداع نظريه علمية مثبتة إثباتا يقينيا أو شديد التأكيد يربط النتائج بالمعطيات والظروف.
ولكن هل كانت راند محايدة وموضوعية فعلا في رصد حالة القاعدة؟
3- هل استطاعت أن تفسر انفراد حالة القاعدة بأنماط تفاعلية فريدة (ما يسميها المؤمنون معجزات التأييد الإلهي ويسميها مهرطقوا الغرب بالقوى الخفية)؟
هل جرؤت أن تناظر بين منطلقات ومنهجيات القاعدة ومنطلقات ومنهجيات فجر الإسلام؟
4- هل جرؤت أن تدرس حالة الصعود الإسلامي من الحقبة المكية إلى الحقبة الامبراطورية؟
5- هل أنصفت بالخلط بين القاعدة وباقي "التنظيمات الإرهابية"؟
هل أنصفت في الخلط بين الإسلام وبين باقي الأديان عند مناظرة القاعدة بعموم الإرهاب الديني؟
6- هل تطرقت لدراسة الحالة الفريدة للإسلام التي تجعله غير قابل للحصار في مجموعة أو منطقة بعينها؟
7- لا لم تفعل أي من هذه الخطوات التي يمكن أن تجعلها موضوعية ومحايدة.
إنها تعلم أن دراسة الإسلام وحالته الفريدة ليست في مصلحة الكفر وحالته المزرية.
لقد قام علماء كثر بدراسات علمية مضادة لإتجاه هذه الدراسة البائسة للإجابة على السؤال الأهم "كيف تنتهي الإمبراطوريات الفاسدة؟"
كذلك قول الأخ الهلال :
عندما يستسلم مفكروا الغرب إلى الإحصاءات لاستقراء المستقبل ويكفروا بما صدعونا به من نظريات "صدام الحضارات" و "الفوضى الخلاقة" و "نهاية سلم التطور التاريخي" في أقل من عقد واحد من الزمان فيجب أن نستشعر حجم الهزيمة وأبعادها.
فالهزيمة التي تلجئ المهزوم ليس فقط للتخلي عن منهجياته واستراتيجياته ولكن لطريقة تفكيره وجوهر اعتقاده لهي الهزيمة الكاملة.
------------------------------------
فرجائي منك دكتورنا الكريم ان تتحفنا بتعليقك لأني ارى مقال الأخ اولى بالقراءه من مقال راند .
الاسم: د. أكرم حجازي
